الصقور يكتب : القيادة والإدارة بحكمة : حين يلتقي العقل والعلم والمنطق هما معادلة النجاح في مؤسسات المجتمع المدني والعمل العام
القلعة نيوز -
في زمن تتسارع فيه المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماية والبشرية وتتعاظم فيه التحديات المحلية والإقليمية لم تعد القيادة خيار شخصي أو مهارة فردية فحسب بل أصبحت مسؤولية وطنية وأخلاقية وتاريخية ولم تعد الإدارة مجرد تنظيم للموارد أو توزيع للمهام بل أصبحت علم قائم على المنهجية وحكمة تستند إلى التوازن ومنطق يحكم العلاقة بين الغاية والوسيلة
إن الحديث عن القيادة والإدارة بحكمة ليس ترف فكري بل ضرورة وطنية ملحة خصوص في المؤسسات التي تسعى إلى ترسيخ وتعزيز التنمية المستدامة وتمكين مؤسسات المجتمع المدني لتكون شريك حقيقي في بناء الدولة كما أن العمل التطوعي والخيري يشكل جزء أصيل من النسيج الاجتماعي كما تبرز الحاجة إلى نموذج قيادي يجمع بين العقل المتزن والعلم الرصين والمنطق العادل
حين يكون العقل بوصلة القرار في القيادة ليس مجرد ذكاء فطري بل هو قدرة على القراءة المتأنية للواقع واستيعاب تعقيداته وفهم تشابكاته القائد الحكيم لا يندفع تحت ضغط اللحظة ولا يسلم قراره للعاطفة أو المجاملة أو الحسابات الضيقة ولا يكيل بمكيالين بل يزن الأمور بميزان المصلحة العامة وكما يقول العرب العقل زينة / الرجال مواقف / الكبير كبير بعقله قبل سنه / الطيب ما ينسى المعروف / اللي ما يشاور يندم / الشورى عز / ما خاب من استشار
وعلى سبيل المثال في إدارة الجمعيات الخيرية قد يواجه الرئيس قرارات حساسة تتعلق بتوزيع المساعدات أو أولويات الدعم أو في النشاطات والفعاليات وتنظيمها وتوقيتها ومكان الانعقاد والمتحدثين والمحاورين أو اختيار المشاريع وإدارتها هنا يظهر الفرق بين إدارة تقليدية ترضي الأصوات الأعلى وبين قيادة عاقلة تحلل الاحتياجات الفعلية وتبني قراراتها على دراسات ميدانية ومعايير واضحة
العقل القيادي هو الذي يسأل ما الأثر المتوقع لهذا القرار؟
لانه عقل يفكر قبل أن يقرر ويستشير قبل أن يحسم ويقدر النتائج قبل أن يعلن المواقف
وكما يقال عند العرب أيضا ابوي يجبر المكسور فرد الاخر يقول ابوي يجبرها قبل الكسر وهنا تكمن الحكمة في تقدير المواقف أن نتلاشى الأخطاء قبل وقوعها
ولهاذا لا يمكن لأي مؤسسة خصوصا في العمل العام والخيري تحديدا أن تعتمد على النوايا الطيبة وحدها فالإرادة الصادقة تحتاج إلى أدوات علمية تحولها إلى نتائج ملموسة وهنا يأتي دور الإدارة القائمة على المعرفة
لان الإدارة الحديثة حتى في الجمعيات الخيرية تتطلب تخطيط استراتيجي واضح المعالم ومؤشرات أداء قابلة للقياس وأنظمة مالية شفافة وتقييم دوري للأثر المجتمعي
والعلم في هذا السياق لا يعني التعقيد بل يعني التنظيم لا يعني البيروقراطية بل يعني الاستدامة فالمؤسسة التي تدار بعلم تستطيع أن تحافظ على ثقة المتبرعين وأن تكسب احترام الجهات الرسمية وأن تضمن استمرارية مشاريعها دون ارتباك أو عشوائية
حيث تحظى مؤسسات المجتمع المدني بدور تكاملي مع مؤسسات الدولة يصبح الالتزام بالمنهجية العلمية عنصر أساسي في تعزيز الشراكة الوطنية وترسيخ صورة العمل الخيري كعمل مؤسسي لا فردي
لان المنطق هو الضامن لعدالة الإدارة وهو الجسر الذي يربط بين العقل والعلم فحتى القرار الصحيح العلمي قد يفقد قيمته إن لم يعرض ويدار بمنطق يقنع الأطراف المختلفة
وعلى سبيل المثال مره اخرى في الجمعيات الخيرية قد تظهر خلافات حول توزيع الموارد أو اختيار الشركاء أو ترتيب الأولويات أو في تنظيم الأنشطة والفعاليات كما تحدثت هنا القيادة المنطقية لا تقصي ولا تصعد ولا تمارس الإقصاء تحت غطاء اللوائح بل تفسر قراراتها وتبرر خياراتها وتفتح باب الحوار في إطار مؤسسي منضبط
لان المنطق يعني وضوح المعايير ومساواة الأعضاء أمام الأنظمة وشفافية الإجراءات وقبول النقد بروح مسؤولة
لانه العدالة يجب أن تكون في السلوك قبل أن تكون نص في النظام الأساسي
حيث تتكامل أدوار الدولة والمجتمع المدني تتضاعف مسؤولية القيادة في المؤسسات الخيرية فالعمل الخيري ليس مجرد نشاط اجتماعي بل هو امتداد للقيم الوطنية القائمة على التكافل والتضامن والانتماء
القيادة الحكيمة في الجمعيات الخيرية يجب أن تدرك أنها شريك في تحقيق أهداف التنمية المستدامةو داعم لجهود الدولة في مكافحة الفقر والبطالةو رافد لتعزيز الهوية الوطنية وروح المواطنة الفاعلة وشريك رئيس واستراتيجي مع وزارة التنمية الاجتماعية في إيصال رسالها وتحقيق رؤيها
لإن إدارة جمعية خيرية بعشوائية أو فردية لا يضر بالجمعية وحدها بل ينعكس على صورة العمل الأهلي ككل أما الإدارة الحكيمة فتعزز الثقة وترسخ ثقافة التطوع وتظهر الجمعية كنموذج في العمل المؤسسي المنظم
ولأن الحكمة في القيادة لا تنفصل عن البعد الإنساني فالقائد الناجح في العمل الخيري ليس فقط من يجيد إعداد التقارير بل من يحسن الاستماع لقصص المحتاجين ويشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه كرامتهم
القيادة الإنسانية تعني
الحفاظ على خصوصية المستفيدين والتعامل بكرامة واحترام والابتعاد عن الاستعراض الإعلامي على حساب الإنسان
فالغاية ليست توزيع مساعدات فحسب بل تمكين الإنسان وصون كرامته وتحويله من متلق للدعم إلى شريك في الإنتاج
وكون القيادة تحدد الاتجاه والإدارة و تنظم المسار فالقيادة أيضا ترسم الحلم والإدارة تترجمه إلى خطة لا يمكن لمؤسسة أن تنجح برؤية بلا تنظيم ولا بتنظيم بلا رؤية
ولذلك في الجمعيات الخيرية القائد الذي يمتلك رؤية وطنية واضحة ويستند إلى إدارة علمية منضبطة يستطيع أن يحول المبادرات الصغيرة إلى مشاريع مؤثرة وأن ينقل العمل من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي
لذلك فإن القيادة والإدارة بحكمة حين يلتقي العقل والعلم والمنطق تنتج نموذج مؤسسي قادر على مواجهة التحديات وصناعة الفرص كما أننا نعتز بقيادة حكيمة على مستوى العالم كالقيادة الهاشمية فإن انعكاس هذه القيم على مؤسساتنا المدنية والخيرية يشكل ضرورة وطنية لا خيار تنظيمي
للاننا اليوم نحن بحاجة ملحة إلى أعضاء في الجمعيات الخيرية تقدم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية وتؤمن بالعمل المؤسسي لا الفردي وتمارس الشفافية لا المجاملة وتخطط للمستقبل لا للحظة
فالقيادة الحقيقية هي التي تترك أثر مستدام وثقة متراكمة ومؤسسة تبقى بعد الأشخاص وحين يلتقي العقل بالعلم ويهذبه المنطق ويوجهه الانتماء الوطني الصادق تتحول القيادة من منصب مؤقت إلى رسالة دائمة رسالة بناء وطن وتمكين مجتمع وصناعة أمل
لان القائد الحكيم هو من يدرك أن موقعه تكليف لا تشريف وأن مسؤوليته تتجاوز حدود المؤسسة لتصل إلى التأثير في المجتمع بأسره ففي العمل الخيري بالتحديد تتعامل القيادة مع احتياجات إنسانية حساسة ومع ثقة مجتمعية عالية ومع موارد محدودة وهنا تتجلى أهمية الحكمة في الموازنة بين الطموح والواقعية وبين سرعة الاستجابة ودقة القرار
وكما تقوم الدولة على منظومة قيمية راسخة قوامها الاعتدال والوسطية واحترام القانون يجب أن تنسجم قيادة وأعضاء مؤسسات المجتمع المدني والعاملين فيها مع هذه المنظومة فالحكمة القيادية تعني الالتزام بالقانون واحترام الأنظمة الناظمة لعمل الجمعيات والعمل بروح الشراكة لا بروح التنافس مع الأخر وأثبت النفس على صواب والآخر على خطأ والوقوف على زلات الآخرين
لان القيادة الواعية في الجمعيات الخيرية لا تبحث عن الظهور الإعلامي بقدر ما تبحث عن الأثر الحقيقي في حياة الأسر المحتاجة ولا تنشغل بالصراعات الداخلية بقدر ما تركز على توحيد الصفوف وتعزيز الانسجام المؤسسي فهي قيادة تؤمن بأن خدمة المجتمع عبادة ومسؤولية وطنية في انن واحد
لان العمل الخيري بطبيعته عمل إنساني عاطفي لكنه إن لم يدار بعقل مؤسسي رشيد قد يتحول إلى جهد موسمي محدود الأثر وهنا تبرز الإدارة بالحكمة كأداة تحويل النوايا الطيبة إلى نتائج مستدامة
لان الإدارة الحكيمة في الجمعيات الخيرية تعني أولا التخطيط الاستراتيجي المبني على دراسة واقعية لاحتياجات المجتمع المحلي لا الاكتفاء بردود الأفعال وتعني ثانيا إدارة الموارد المالية بأقصى درجات الشفافية والرقابة لأن المال الخيري أمانة أخلاقية قبل أن يكون مورد مالي كما تعني توزيع المهام وفق الكفاءة والخبرة بعيد عن الاعتبارات الشخصية أو المجاملات الاجتماعية
وكما تحظى الجمعيات الخيرية بدور محوري في دعم الأسر العفيفة وتمكين المرأة ورعاية الأيتام وتنفيذ المبادرات التنموية فإن الإدارة المؤسسية الرشيدة أصبحت ضرورة وطنية فالجمعية التي تفتقر إلى تطبيق النظام الأساسي بشكل واضح وعمل مؤسسي ولجان برامجيه تخصصيه وخطة عمل سنوية وآليات تقييم ومساءلة قد تضعف ثقة المجتمع بها مهما كانت نواياها صادقة
لان إدارة الاختلاف وصناعة الفريق من التحديات التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني بسبب إدارة التنوع الفكري داخل الهيئات الإدارية فغالبا ما تضم الجمعيات شخصيات ذات خلفيات اجتماعية وثقافية ومهنية مختلفة وهنا يكون القائد الحكيم قادر على تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة
لان المؤسسة التي تدار بروح الفريق الواحد تكون أكثر قدرة على الاستمرار وأكثر جذب للداعمين والمتطوعين وأكثر استقرار في مواجهة التحديات
ولان القيادة الحكيمة لا تقاس بإنجازات آنية بل بقدرتها على بناء نظام مؤسسي يستمر بعد مغادرة الأشخاص فالتاريخ الإداري يعلمنا أن المؤسسات التي ترتبط بأسماء لا بأنظمة سرعان ما تتراجع بزوال تلك الأسماء
نحن بحاجة إلى أشخاص تؤمن بأن العمل العام رسالة وطنية وإلى عضاء تدرك أن الشفافية والالتزام والعدالة ليست شعارات بل ممارسات يومية بحاجة إلى مؤسسات تعمل بعقل استراتيجي وقلب إنساني وروح وطنية صادقة
فحين تلتقي القيادة الواعية بالإدارة الحكيمة تتحقق المعادلة التي تصنع النجاح ويتحول العمل الخيري من جهد فردي محدود إلى قوة مجتمعية منظمة تسهم في تعزيز صمود الوطن وتماسكه
وفي نهاية المطاف يبقى الوطن هو الغاية والإنسان هو الوسيلة والحكمة هي الجسر الذي يصل بين النوايا الطيبة والإنجاز المستدام
المهندس
عبد الرحمن حسن الصقور




