المحامية ليلى السامرائي
حين يُطرح اسم عمرة كمدينة جديدة في الأردن، الحديث هنا أعمق من توسّع عمراني؛ إنه سؤال عن قدرتنا على التفكير بطريقة مختلفة، خارج منطق المركز الذي اعتدناه طويلاً. فالأردن لا يحتاج مدينة تُضاف إلى الخارطة فحسب، بل يحتاج نموذجاً مختلفاً في الإدارة والتنمية.
ولذلك، فإن أول ما يجب أن يتوافر في عمرة هو لامركزية إدارية حقيقية، لا شكلية. فقد أثبتت التجربة أن أي مدينة تبقى معلّقة بخيوط القرار في عمان لن تتمكن من خلق هويتها الخاصة أو بناء اقتصادها المستقل. فإذا اضطر المستثمر، أو صاحب المشروع، أو حتى المجلس المحلي، للعودة إلى العاصمة في كل تفصيل، فإننا نعيد إنتاج المشكلة ذاتها التي نحاول تجاوزها. وعليه، فإننا نحتاج إلى اللامركزية التي تنقل الصلاحيات المالية والتنظيمية، إلى مستوى محلي يمتلك سلطة القرار ويتحمل مسؤوليته كاملة.
وفي السياق نفسه، تبرز التنمية المستدامة كعنصر أساسي في أي مشروع لمدينة جديدة. لكن هذه العبارة، رغم أهميتها، كثيراً ما تُستخدم بشكل عام من دون معنى محدد أو التزام واضح. لذلك، المطلوب في عمرة ليس مجرد رفع شعار "الاستدامة”، بل وضع تعريف حكومي واضح يشرح ماذا تعني فعلياً على الأرض، وكيف ستُترجم إلى سياسات وقرارات ملزمة؟
هل نتحدث عن نسب إلزامية للطاقة المتجددة في المباني؟ أم عن منظومة متكاملة لإدارة النفايات؟
أم عن معايير بناء خضراء مفروضة تشريعياً؟ أم عن حماية فعلية للأراضي الزراعية والمياه الجوفية؟
فعدم وجود تعريف تشريعي وإجرائي واضح يبقي التنمية المستدامة مفهوماً فضفاضاً قابلاً للتأويل، ويُضعف القدرة على المساءلة والقياس.
ومن جهة أخرى، لا يمكن أن نتحدث عن مدينة جديدة من دون أن نتذكر تجربة الماضونة، لا بهدف المقارنة السلبية، بل لاستخلاص العبرة. ما حدث هناك أظهر أن غياب الرؤية الواضحة، وتداخل الصلاحيات، وضعف الجاذبية الاقتصادية، كلها عوامل تُربك أي مشروع مهما كانت أهدافه استراتيجية. لذلك، نجاح عمرة يبدأ بتهيئة بيئة جاهزة فعلاً تتمثل ببنية تحتية مكتملة، خدمات أساسية تعمل بكفاءة، حوافز استثمارية واضحة، وضمانات قانونية مستقرة تمنح المستثمر والساكن شعوراً بالثقة والاستقرار.
وعليه، فإن عمرة يجب أن تُبنى كمنظومة متكاملة، دون تسليط الضوء على محور واحد واهمال ما سواه، فلا يكفي أن تكون مدينة صناعية بلا خدمات، أو سكنية بلا فرص عمل، أو جامعية بلا اقتصاد يسندها. إن المدينة الحية تقوم على توازن مدروس بين السكن والعمل والتعليم والصحة والنقل والمساحات العامة. كما تحتاج إلى شبكة نقل عام فعالة، وإلى عدالة مكانية تضمن توزيع الخدمات بصورة متكافئة، بدلاً من إنتاج مركز متخم وأطراف مهمشة.
إلى جانب ذلك، تُعدّ الشفافية عنصراً حاسماً في نجاح مشروع بهذا الحجم. فالإفصاح الواضح عن المخططات، وآليات التمويل، وأطر الشراكات، ومراحل التنفيذ، يشكّل أساساً لبناء الثقة العامة، ويعزز من فعالية الرقابة المجتمعية والمؤسسية، بما يضمن سلامة المسار واستدامته.
ختاماً، فإن عمرة تمثل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في فلسفة التنمية في الأردن. فإذا أُحسن التخطيط لها، وأُديرت بصلاحيات واضحة ورؤية شاملة، يمكن أن تكون نقطة تحول في مسار التخطيط الحضري. أما إذا أُديرت بعقلية المركز، وبمصطلحات غير محددة، وبرؤية جزئية تركز على محور وتُهمل بقية العناصر، فإنها قد تتحول إلى نسخة أخرى من مشاريع لم تكتمل.



