رشا موسى / إعلامية سورية
عندما يتحول الامتحان إلى بيان عقائدي
إدراج سؤال في امتحان كلية الشريعة بجامعة إدلب حول "نشأة الطائفة النصيرية” ليس تفصيلاً أكاديمياً عابراً. المسألة لا تتعلق بمعلومة تاريخية، بل بالمصطلح، بالسياق، وبالمنظومة الفكرية التي تحيط به.
في المجال العلمي، المصطلحات ليست بريئة.
اختيار تسمية تحمل شحنة تاريخية جدلية في سياق سياسي متوتر ليس بحثاً معرفياً، بل موقفاً ضمنياً.
وحين يُضاف إلى ذلك وجود مقال سابق لعميد الكلية وعضو مجلس الإفتاء – وعضو لجنة السلم الأهلي حالياً – يتضمن توصيفاً تكفيرياً صريحاً للطائفة العلوية بوصفها "طائفة كافرة ممتنعة محاربة حربية” مع تعميم الحكم على أفرادها ومن يواليهم، فإننا لا نكون أمام رأي فقهي معزول، بل أمام بنية خطاب متكاملة.
تفكيك الخطاب: من المصطلح إلى الإباحة
الخطاب التكفيري يمر عادة بخمس مراحل واضحة:
1. إعادة التسمية: استخدام مصطلح يحمل تاريخاً جدلياً لإعادة تعريف جماعة بشرية.
2. نزع الشرعية الدينية: توصيفها بالكفر أو الانحراف العقدي.
3. توصيفها سياسياً كجماعة ممتنعة أو محاربة.
4. تعميم الحكم على الأفراد لا على الأفكار.
5. إنتاج أرضية تبريرية للإقصاء أو الاستباحة.
العبارة المشار إليها بالأحمر ليست مجرد توصيف عقدي؛ هي توصيف فقهي سياسي له حمولة تاريخية ثقيلة في الفقه التقليدي، لأنه ينقل الجماعة من خانة "الاختلاف” إلى خانة "الخصومة القتالية”.
وهنا تكمن الخطورة.
التناقض البنيوي: لجنة سلم أهلي وخطاب إقصائي
كيف يمكن لشخص يتبنى توصيفاً تكفيرياً معمماً لجماعة بشرية بالملايين، أن يكون في موقع يُفترض أنه معني بالسلم الأهلي؟
السلم الأهلي لا يُبنى على:
• تصنيفات عقدية،
• ولا على توصيفات جماعية،
• ولا على تعميمات فقهية.
السلم الأهلي يُبنى على قاعدة واحدة: المواطنة المتساوية أمام القانون، بغض النظر عن الانتماء الديني أو المذهبي.
السؤال الجوهري
كيف يُطلب من ما يقارب سبعة ملايين علوي في سوريا:
• أن يندمجوا في دولة،
• أن يقبلوا سلطتها،
• أن يثقوا بمؤسساتها،
بينما يُدرّس في جامعاتها توصيف يضعهم في خانة الكفر والامتناع الحربي؟
أي عقد اجتماعي هذا؟
هل المواطنة مشروطة بسلامة العقيدة وفق تفسير جهة بعينها؟
أم أن الدولة الحديثة تقوم على مفهوم قانوني لا عقدي؟
الجامعة: مؤسسة علم أم مصنع هوية؟
الجامعة ليست منبراً دعوياً، ولا منصة تصنيف عقدي.
وظيفتها البحث، النقد، التحليل، تعددية الآراء.
عندما تتحول قاعة الامتحان إلى مساحة إعادة إنتاج خطاب إقصائي، فإن المشكلة لا تكون في السؤال وحده، بل في فلسفة التعليم.
التعليم الذي يدرّس التكفير، حتى لو غُلّف بصيغة بحثية، يُنتج جيلاً يرى الآخر كـ:
• مشكلة،
• تهديد،
• خصم وجودي.
وهذا لا يصنع دولة، بل يصنع مجتمعاً هشاً مشبعاً بالريبة.
الفرق بين البحث التاريخي وخطاب الكراهية
دراسة تاريخ الطوائف حق أكاديمي مشروع.
لكن:
• استخدام مصطلحات خلافية دون حساسية سياقية،
• وتعميم أحكام عقدية على جماعة بشرية معاصرة،
• وربطها بتوصيفات "حربية” أو "ممتنعة”،
ينقل الموضوع من حقل البحث إلى حقل التحريض الرمزي.
القانون الدولي يعتبر التحريض على الكراهية الدينية حين يتضمن نزع الشرعية الجماعية أرضية خطرة تؤدي إلى العنف، حتى لو لم يتضمن دعوة مباشرة.
هل الدولة عقد مواطنة أم عقد عقيدة؟
الدولة الحديثة تُعرّف المواطن وفق القانون.
الدولة العقائدية تُعرّفه وفق معيار إيماني.
إذا كان معيار الانتماء هو التصنيف العقدي، فنحن أمام:
• دولة مذهبية،
• لا دولة مواطنة.
وهنا يتفكك مفهوم الاندماج.
لأن الاندماج لا يكون في سلطة تُشكك في شرعية وجودك.
القضية ليست "سؤال امتحان”.
القضية هي: هل يُعاد تعريف مكوّن سوري كامل داخل مؤسسات التعليم باعتباره خصماً عقدياً؟
وهل يمكن الحديث عن استقرار أو سلم أهلي بينما يُعاد إنتاج خطاب تكفيري في فضاء أكاديمي؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
هل المطلوب من سبعة ملايين مواطن أن يندمجوا في دولة تعلّم أبناءها أنهم خارج الشرعية العقدية، أم المطلوب إعادة تعريف الدولة نفسها على أساس المواطنة المتساوية؟
ختاماً :نضال جنود لم يكن اسماً في خبر عابر، بل ضميراً سيبقى شاهداً على أن القتل جريمة، مهما لبس من عناوين أو فتاوى




