القهوةُ المالحة
نصٌّ مُسْتّلُّ من كتابي الجديد : " في المرأة وفلسفة القهوة "
الذي سيصدر بعد ايام في عَمّان.
ذاتَ أحدٍ مضى ، تذكرتُ بأنَّها مِمَّنْ يؤمنون بأنَّ لقاءَ الأحدِ مع الرَّب ، يُعطينا القوَّةَ لنعيشَ الحاضرَ بثقةٍ وشجاعة .
ويُمَكِّنُنا مِنَ السير قُدُما برجاء .
فنحن لا نذهب إلى القدَّاسِ يومَ الأحد ، أو للصَّلاةِ مِنْ يومِ الجمعة ، لنعطيَ الله شيئا ، وإنما لننال مِنهُ ما نحن بحاجةٍ إليه فِعلا . فرَجَّحتُ أنْ تكون الدكتورة مريم ، أرملة صديقَ عُمري الحاج محمد ، في كنيستها تصلي .
وصلتها قبل أن تبدأ الصلاة .
ناولتُها رسالةً إئتُمِنتُ عليها .
شَهَقَتْ ودمع يتقافز من عينيها ، وهمهمات تَبَيَّنتُ منها : هذا خطُّ زوجي ، وهذا عطره .
من أين لك بها ؟
قلت : إقرئيها وبعدها سأفسر .
وجَلستُ في الكنيسة خلفها أناجي ربَّ كلِّ الناس .
ما أنِ إنتهى القدّاسُ ، تَلفَّتَتْ تبحثُ عني بعيونٍ دامعة .
تقدمَتْ مني وقالت : خد إقرأ يا شيخَنا .
أمسكت بالرسالة مبللة ، وقرأتُ : مريم
، يا أجمل ما مضى في عمري ،وأنتِ تُتَوَّجينَ بمرتبةِ الشرفِ الأولى ، دكتورةً في هندسة الأنفاق ، مع عاصفة التصفيق وقوفا ، كُنتِ ملفتةً لإنتباهِ الجميع .
كمهندسٍ إستشاريٍّ مَعنيٍّ بتخصصك ، تابعتُ دفاعك عن مشروعِ تخرجك ،
من موقعي في الصف الاول المواجه للمنصة، منذ إعتليتِ المنصة قبلَ أربعين عاما ، وضَعَكِ بصري في عقلي .
وحينَ أمْسكتِ بيَ مُتَلبسا بالتَّفرُّسِ بملامحك ، كنتُ أرقب غمازةً ، تُراقِصُ خدَّكِ الأيمنَ بِدلال .
تَبسَّمْتِ ليَ بِخجلٍ مُحتارٍ وَدود .
إنْتَصَبَتْ قامتُكِ وأخَذتِ نفَسا عميقا .
وبتمهُّلٍ رتَّلتِ قائلةً : أبي وأنتَ منذُ مُؤبّدٍ ، في مسالخ الصهاينة ، ولثلاثين مُؤبدا كما يزعمون ، أهديك وفلسطين كلها ، هذا الجهد العلمي المناضل .
ليتك معي الآن.
إرتجفَا صوتك وإنقطع .
أدمعتني وكثرةً منَ الحضور .
ما أن أتمَمْتِ ، سارع قلبي لإعادة رسم ملامحك .
ولم يعد سهلا عليَّ تحمل إرتباكي ، سعيتُ لهدنة معه .
تعمَّدتُ أن أكون آخر المباركين لكِ .
قدَّمتُ نفسي .
وتمنَّيتُ عليكِ قبولَ دعوتي لفنجان قهوة .
فوجئتِ بطلبي ، بحزنٍ ساحرٍ حملَقتِ بيَ ، وأنتِ تقولين : يُقال يا سيدي ، أنَّ ذوقَ عشاق القهوة رائع ، مزاجُهم مَرِحٌ ، وجَلَساتُهم مميزةٌ لا تُمَلُّ .
لا بأس من خلط قهوتك ، بفرحتي الليلة . شرط أن أكونَ أنا الداعية . فالليلة ُ ليلتي .
وأتشرف في أن تكون أنت فيها ، كلَّ أسرتي المُغَيَّبة ، وعرَّابَ فرَحيَ المنقوص بالنجاح .
أومأتُ بالمُوافقة .
وحينَ سألنيَ النادلُ ، كيف أشربُ قهوتي ؟
قلتُ بعجلةٍ مُتلعثما : بملحٍ قليل .
نَظرتِ إليَّ بإستغرابٍ مُبتَسمٍ ، وسألتِني بحيرةٍ إنْ كنتُ بخير .
أجبتُكِ بتلقائيَّةٍ : نعم ، الظاهرُ أنني بِتُّ الآن بخير ، بعد أنْ كنتُ أموتُ إلا قليلا .
فعاودتِ السؤال بفضولٍ مُباشرٍ : لِمَ فعلتَ هذا إذن ؟!
أهيَ عادةٌ ؟!
أجبتكِ مُرتَبِكا : عندمآ كنتُ صغيراً ، كنتُ أعيشُ بالقربِ من سور عكا ، أتذوق ملوحة بحرها كلَّ يوم .
وفي كلِّ مرَّةٍ أشربُ فيها قهوتي المالحة ، أتذكر طفولتي في فلسطين ، وبقايا أهلي وأصدقائي هناك .
ساعتَها لمحتُ، بارِقا يَعبرُ أفقَ وجهَكِ .
وانثالَ الحديثُ بسلاسةٍ بَيْننا .
كانت راحتاكِ تحتضن فِنجالَك .
تحتسين بلهفةٍ قهوتَك .
وأنا على مهل السلحفاة أشرب .
لم تكن قهوتي تَعبرُ بُلعومي ، بل تتسامى إلى الأعلى .
تُدغدغ مزاجي .
كنتُ أشربُ وعينايَ تَغمُرُ عينيك ، محاوِلا إستكشافَ المخبوء .
فشلتُ في إقناع عينايَ أنْ تصمِت .
إزدحم الحنينُ الخجولُ فيها وفاح .
وحين سألتك عن باقي الأسْرةِ ، أنَّتْ عيونُك . وباتت مثلَ عكا ، جميلةً حتى بالحزن .
فعرفتُ ساعتَها ، أنَّ أباكِ البطل الأسير ، لم يكن كلَّ الساكنينَ في وجعك .
بل أخوينِ شهيدين ، وأمٍّ مضت كمَدا على الجميع .
مع أوَّل فناجيلي برفقتك ، بَدأتْ أقداري تُسلِسُ قِيادَها لقلبيَ ، الذي كان صائما قبل تلك اللحظة .
فإهتدى القلبُ قليلا .
إستمرَّت لقاءاتُنا .
وحين إقتنعنا أننا متكاملين تزوجنآ .
وعشنا حيآةً رآئعة ، أهدتنا قرَّةَ أعينِنا : آمنة ، مريم ، زينب ، تيريز ، نضال ، وديع ، جهاد وعائد .
وبقيت يا غالية ، طيلة اربعين عاما تقريبا ، كلمآ قدَّمتِ لي قهوةً ، تضعين فيها شيئا من الملح ، لأني أحبها مالحة كما كنت قد أخبرتك .
وأنا الآن بين يدي الله سبحانه .
أرجوكِ أن تسامحيني على كذبةِ حياتي .
وهي بالتأكيد ، الأولى والأخيرة التي كذبتها عليك .
أتذكرين أوَّلَ لقاءٍ بيننا ؟
كُنتُ مضطَرِبا وقتَها ، حتى أنني حين أردتُ طلبَ سكَّرٍ لقهوتي من النادل ، طلبتُ الملحَ بدلا منه .
وخجلتُ مِنَ العدول عن طلبي .
فتابعتُ وشربتُ القهوةَ مالحةً لأجلك .
وأنا في رحمة الله الأن ، لستُ قلِقا من كشف الحقيقة .
فأنا لا أحب القهوة المالحة .
لكنني شربتها طوال حياتي معك ، إحياءً وتكريما لتلك اللحظة التي إلتقينا فيها أول مرة .
ولم أكن أشعرُ بالأسفِ أو بالندم .
وجودُنا معا كعبقِ القهوة ، كان يطغى على كلِّ ما سِواه .
لَوْ أنّ لي حياةً أخرى في الدنيا ، لتمنيتُ أنْ أعيشَها معكِ حتى لو إضطررت ثانية لشرب القهوة المالحة .
أمسَكَتِ الدكتورة مريم بيدي اليمنى ، وبعيون متمنية قالت : هيا بنا نزوره .
وفي الطريق إلى المقبرة ، سالتني حكاية الرسالة.
فقلت : ليلة رحيل زوجك ، كنتُ آخر زواره في المشفى ، ناداني هاتفيا فسارعتُ إليه .
وهناك ناولني الرسالة وهو يقول : يا شيخنا هذه أمانة ، تسلمها لزوجتي ، بعد ثلاثة أشهر من رحيلي ، ان رحلت قبلك . تضاحكنا كثيرا .
وفي الصباح ، علمت خبر رحيله بالسكتة الدماغية .
ما أن دلفنا بوابة المقبرة ، ألقينا السلام على السابقين .
وسرعان ما إحتضنَتْ قبرَ زوجها .
أهدتهُ قراءة الفاتحة .
وسَمِعتُها بنكهةِ الأشتياقِ تُناجيه :
حبيبي ، أنت عَصِيٌّ على النسيان .
أرَتِّبُ أمنياتي كلَّ ليلةٍ ، لتبقى عنوانا لها .
أنتَ باقٍ حيثُ لنْ يَصِلَ إنسانٌ ولا نِسيان .
وأنا ما زلتُ مُتَّكِئةً على ما بسطتَ لي من قلبك .
إبتسم يا حاج ، فقبلَ أيَّامٍ سألَنيَ أحدُهم : ما طعمُ القهوة المالحة يا سيدتي ؟
على الفورِ أجبته : إنَّها حُلْوَةً بطعمِ المرحومِ زوجي .




