تحسين أحمد التل
منذ زمن بعيد ونحن نقول إن إسرائيل وبدعم غربي تجاوزت كل المعايير الدولية، وقفزت فوق كل الخطوط الحمراء، وانتهكت القوانين الإنسانية، والأخلاقية، ورمت خلف ظهرها مبادى القانون الدولي، حتى بات الجميع يعلم أن إسرائيل مهما فعلت؛ فلن يجرؤ أحد على معاقبتها، طالما أن الغرب، وصمت العرب والمسلمين؛ يشجع الصهاينة على التجرؤ، والتمادي.
إن تجاهل معاقبة إسرائيل أدى الى فقدان ثقة العرب بالغرب عموماً، ومما ساعد اليهود على التمرد، أنهم يعلمون بأن العرب يصمتون خوفاً، أو عدم قدرة على الرد، وهنا تجاوز اليهود المجال العربي والإسلامي عديم الفائدة، وذهبوا باتجاه التلاعب بالقارة العجوز، وباتت أوروبا أمام تغول أمريكا وإسرائيل تشكل نمر من كرتون.
إن صمت الإتحاد الأوروبي على جرائم الصهيونية في المنطقة العربية، أدى الى فقدان ثقة الشعوب الأوروبية بحكامهم، ولأن الإتحاد وفق رأي الشعوب؛ يمثل قوة أخلاقية، وإنسانية عالمية، بات كل ما يفعله الصهاينة يثير حساسية عند زعماء الإتحاد الأوروبي، ويهدد بإضعاف الإتحاد، وتُظهر أن هناك ازدواجية معايير بين قضية تتعلق بإسرائيل وقضايا أخرى، سيما وأن قوات اليونيفيل استهدفتها إسرائيل أكثر من مرة، وهذا يعني استهتار الدولة العبرية بالإتحاد الأوروبي برمته.
احترام حقوق الإنسان بين أوروبا وإسرائيل كان من الشروط الأساسية التي قامت عليها إتفاقية الشراكة الأوروبية، وقناعة الإتحاد الأوروبي بأن إسرائيل انتهكت حقوق الإنسان في غزة، ولد لدى الإتحاد قناعة بأن تفسخ عقد الشراكة مع إسرائيل، لأن الصهاينة لا يحترمون حقوق الإنسان، وقد عملوا على انتهاكات عديدة مست بالمبادىء التي يقوم عليها القانون الدولي.
منذ بداية حرب إسرائيل على غزة، عام (2023)، والدول الأوروبية ترسل رسائل للحكومة الإسرائيلية؛ بضرورة وقف الحرب، ووقف قتل الأطفال والنساء، والتعدي على هيبة الصحافة، وتدمير المؤسسات الإنسانية، والطبية، والإغاثية في فلسطين، ووقف الإنتهاكات المرعبة في السجون، وعند المستوطنين الذين يهاجمون بقطعانهم البلدات الفلسطينية، ويعيثون فيها قتلاً، وتدميراً، وفساداً، واليهود لا يكترثون.
ثلاث سنوات متتالية، واليهود يرفضون الإحتكام للقانون الدولي، الذي خرقوه، وانتهكوه عشرات وربما مئات المرات، حتى فقد قادة الإتحاد الأوروبي صبرهم على وحشية الصهاينة ضد العرب، وباتت أوروبا على المحك، وربما تفقد مصداقيتها إن لم تعالج الأمر، إذ يمكن لو استمر الصمت العالمي على حيوانية، وزعرنة الصهاينة؛ أن تتحول المنطقة الى غابة تتسيدها الوحوش، والخنازير الإسرائيلية.
بعد هزيمة رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، صديق نتن ياهولاكو في الإنتخابات المجرية، وفوز زعيم المعارضة بيتر ماغيار الأكثر اعتدالاً، وقد قرر عدم الإنسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، لهذا، قرر الإتحاد الأوروبي بإجماع سبعة وعشرين دولة أوروبية معاقبة إسرائيل، عن طريق الإجراءات التالية التي اتخذها الإتحاد:
أولاً: ملاحقة نتن ياهولاكو ووزير الدفاع السابق؛ قانونياً، وتنفيذ حكم المحكمة الجنائية، والسماح باعتقال رئيس وزراء إسرائيل في حال مرور طائرته فوق أوروبا، وبالذات هنغاريا، (دولة المجر)، وهذا يعني انهيار آخر خطوط الدفاع عن نتن ياهولاكو في الإتحاد الأوروبي، حيث كان أوربان يستخدم الفيتو ضد أي إجراءات تمس إسرائيل من قبل الدول الأوروبية.
ثانياً: بعد هزيمة حليف نتن ياهولاكو في المجر، صار بالإمكان تأمين إجماع أوروبي لوقف اتفاقيات التجارة والشراكة مع إسرائيل، وبالذات إيطاليا التي تنوي أن تجمد اتفاقية الشراكة العسكرية بعد نتائج حرب غزة، وحرب لبنان، وحرب إيران، وخوف الإتحاد من جر منطقة الشرق الأوسط الى كارثة بعد إغلاق مضيق هرمز وباب المندب، مما سيؤدي الى خسارة أوروبا (40) بالمئة من فوائد هذه المضائق بالغة الأهمية.
ثالثاً: فرض عقوبات أوروبية على المستوطنين، بسبب الإنتهاكات، والأعمال القذرة التي يقومون بممارستها ضد السكان العرب، بالرغم من أن إسرائيل تعلم أن وجود الإستيطان في الضفة الغربية والقدس؛ يؤدي الى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، والعالم الغربي، ويمنع الشعب الفلسطيني من إقامة دولة قابلة للحياة.
بات الغرب كله (ما عدا أمريكا) يعلم أن إسرائيل صارت تفرغ مشاكلها وتوزعها على الدول العربية، كما حدث في الضفة واحتلالها عام (1967)، واعتبار القدس عاصمة الدولة اليهودية مع أنها تقع ضمن المناطق المحتلة، وكما حدث في غزة، والجنوب اللبناني، واحتلال الجولان، وجبل الشيخ، وجزء كبير من الأراضي السورية، وكأن اليهود يسعون حقيقةً الى زعزعة استقرار ليس فقط الشرق الأوسط، بل العالم كله.
أصبح زعماء الإتحاد الأوروبي يؤمنون بأن التغافل عن محاسبة إسرائيل سيضعف موقف أوروبا كلها، وأن مجرد سكوت الإتحاد يعني أنهم موافقون، أولاً على كل الإنتهاكات الصهيونية التي تمارسها إسرائيل في المنطقة.
ثانياً: أن يكونوا تبعاً للسياسة الصهيونية الإجرامية، وبذلك يكون دفاعهم عن حقوق الإنسان، والحريات، والقوانين دولية، مجرد ذر للرماد في العيون، هذه الأمور التي بات السكوت عليها؛ مشاركة في الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية، جعل من مملكة إسبانيا تأخذ زمام المبادرة وتتصدى للصهاينة، كما جاء في تصريحات رئيس الوزراء الإسباني.
الأيام والأسابيع القادمة سنشهد تغييرات في أوروبا، لن نقول إنها ستصب في صالح العرب، بالتأكيد ستكون الإجراءات الهدف منها حماية التجارة العالمية، وحقوق الإنسان، ولجم الصهاينة عن العبث باستقرار منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الدول الإسلامية مثل إيران، وتركيا، وباكستان.
هذه الدول التي يمكن أن تشكل حلفاً قوياً، يمكن أن يضم بعض الدول العربية القوية، وباعتقادي يجب أن يفكر العرب بالانضمام لهذا الحلف بعد وقف الحرب على إيران، الحرب التي رفضها الغرب، وتورط فيها العرب، وكانت الخسائر هائلة ومرعبة على كل المستويات بسبب رعونة اليهود.




