آخر الأخبار
مجلس الشيوخ الأميركي يرفض قرارا لإعداد تقرير عن انتهاكات إسرائيلية في الضفةهيغسيث يتجه لتقليص قيادات البنتاغون بنسبة 20%روسيا تشن هجوما واسعا على منشآت الطاقة في أوكرانياوفد عسكري ليبي يزور مديرية القضاء العسكريعودة دفعة من أطفال غزة إلى القطاع بعد استكمال علاجهم في الأردنبلدة حوشا بين المقاطعة والحوار: رسالة إلى وزارة الإدارة المحلية .هل تنوي فيكتوريا بيكهام الرجوع للغناء من جديد؟4684 فرصة عمل.. والبلديات تدخل المسار الأخضرأبو سند.. ثقةٌ تليق به ومهمةٌ بحجم الطموح: رئيسًا لمجلس إدارة غرفة تجارة عماندراسة جديدة في غزة تكشف عن تحسن ملحوظ في معارف الصحة الإنجابية بفضل التثقيف الصحي بقيادة الشباب
رأي

صمت المؤسسات… وانهيار الإنسان: المرأة بين الضغوط المؤسسية والأزمة النفسية.

منذ 6 أشهر3 دقائق قراءة
التحكم بالخط:
صمت المؤسسات… وانهيار الإنسان: المرأة بين الضغوط المؤسسية والأزمة النفسية.
بقلمالقلعة نيوزكاتب مقال · 11,290 مقالاً
كل مقالات الكاتب

د بيان الماضي


تتوالى الوقائع المؤلمة في بعض صروحنا الأكاديمية لتكشف عن جرحٍ عميق في جسد المجتمع، جرح لم يعد بالإمكان تجاهله أو تأجيل مواجهته. فخلال فترة وجيزة، شهدنا حوادث قاسية طالت طلبة وأطباء وموظفين، في مشاهد لا تعبّر فقط عن مآسٍ فردية، بل عن خلل بنيوي يتجاوز الأشخاص إلى البيئة الحاضنة ذاتها.


هذه الوقائع لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حوادث معزولة، بل كإشارات إنذار متكررة تستدعي قراءة تشريحية عميقة تتناول جذور الأزمة بأبعادها الروحية والطبية والتنظيمية والتشريعية.


لا يمكن فهم البنية النفسية في مجتمعنا دون إدراك الدور المركزي للإيمان في حفظ التوازن الداخلي للفرد، فالعقيدة ليست مجرد بعد تعبّدي، بل تمثل شبكة أمان تمنح الإنسان معنىً للصبر وتعيد تفسير الألم ضمن إطار أوسع من الأمل. الإيمان بأن مع العسر يسراً، وبأن الابتلاء جزء من مسار الحياة، يمدّ الإنسان بطاقة نفسية تعينه على الاحتمال، لكن في المقابل فإن تراجع هذا الوازع الديني أو غيابه، خاصة في لحظات الانكسار، يفتح الباب أمام مشاعر العدمية والاغتراب. ومع ذلك، لا يجوز تحميل الفرد وحده مسؤولية هذا التراجع، إذ إن البيئة الضاغطة قد تُضعف حتى أكثر النفوس تماسكًا.


ومن جهة أخرى، فإن الأمانة العلمية تفرض التأكيد على أن الاضطرابات النفسية ليست ضعفًا أخلاقيًا ولا خللًا في الإرادة، بل هي أمراض حقيقية تصيب الدماغ وتؤثر في كيميائه ووظائفه. في الحالات الشديدة قد يفقد الإنسان قدرته على التقدير السليم، ويصبح أسيرًا لحالة داخلية قاسية لا تُرى بالعين المجردة، ولذلك فإن التعامل مع هذه الحالات يجب أن يكون قائمًا على الفهم الطبي والرحمة الإنسانية، لا على الإدانة أو التبسيط، فالفصل بين المرض النفسي والإيمان طرح غير دقيق، إذ قد يجتمع الابتلاء العضوي مع قوة الإيمان دون أن يلغي أحدهما الآخر.


وإذا كانت الجبهة الداخلية للإنسان تتشكل من توازنه الروحي والنفسي، فإن البيئة المؤسسية قد تكون العامل الحاسم في تفجير الأزمة أو احتوائها. تعاني بعض مؤسساتنا التعليمية من أنماط إدارية يغلب عليها الطابع السلطوي، حيث تتسع السلطة التقديرية للمسؤول دون رقابة فعالة، وتُشخْصَن القرارات على حساب المعايير الموضوعية. ومع تراكم هذه الممارسات يتولد لدى الفرد شعور بالعجز والقهر لا يظهر فجأة، بل يتراكم بصمت حتى يصل إلى نقطة الانفجار، فالمشكلة ليست في قرار واحد، بل في تكرار الضغط، حيث قد يحتمل الإنسان الأولى والثانية وربما الثالثة، لكنه ينهار عند الرابعة، وهذا ما يجعل التعسف الإداري خطرًا تراكميًا لا لحظيًا.


كما تتخذ هذه الأزمة بُعدًا أكثر حساسية عندما تتعلق بالمرأة، سواء كانت طالبة أو موظفة، فالمرأة في بعض البيئات لا تواجه فقط ضغوط العمل أو الدراسة، بل تواجه أيضًا تحديات مرتبطة بالتصورات الاجتماعية والبيئات غير المتوازنة.


وهنا لابد من الإشارة إلى أن الرفق بالقوارير الذي دعت إليه القيم الدينية فهو ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل هو إدراك لطبيعة إنسانية تستوجب بيئة أكثر عدلاً وحساسية، وعندما تغيب هذه البيئة وتُستغل حالة الصمت أو الحرج، تتراكم الضغوط بشكل يفوق طاقة الاحتمال.


إن إنصاف المرأة لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى ممارسات عادلة تبدأ من بيئة العمل، وتمرّ عبر التشريعات، وتنتهي بثقافة مؤسسية تحترم الكرامة الإنسانية دون تمييز.


إن خطورة ما نشهده تفرض علينا الانتقال من مرحلة توصيف المشكلة إلى مرحلة الفعل المؤسسي الجاد، فلم يعد مقبولًا أن تبقى خدمات الإرشاد النفسي هامشية أو شكلية، بل المطلوب إنشاء تفعيل تلك الوحدات المتخصصة داخل الجامعات والعمل على استقلاليتها لتُعنى بالصحة النفسية للطلبة والموظفين، وتعمل بسرية تامة وتكسر وصمة اللجوء للعلاج.


وبالتوازي مع ذلك، لا بد من إعادة النظر في الأنظمة والتعليمات الناظمة للعمل الأكاديمي بما يحد من التوسع في السلطة التقديرية، ويضمن وجود آليات تظلم فعالة ومستقلة، لأن العدالة داخل المؤسسة ليست رفاهًا، بل شرط للاستقرار النفسي والإنتاجية.


إن كل حادثة مؤلمة داخل مؤسسة تعليمية ليست مجرد رقم يُضاف إلى سجل، بل هي رسالة قاسية يجب أن تُفهم.


رسالة تقول إن الإنسان قبل أن يكون طالبًا أو موظفًا هو كيان يحتاج إلى معنى وعدالة واحتواء. كما أن حماية الإنسان لا تتحقق بخطاب واحد أو إجراء منفصل، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من تعزيز التوازن الروحي، وتمرّ بتوفير الرعاية النفسية، وتنتهي بإقامة بيئة عادلة تحترم الكرامة، فالعدالة والرحمة ليستا خيارين، بل هما أساس البقاء.


عن الكاتبالقلعة نيوز

أحدث مقالاته

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962