جمعة الشوابكة
في عالم تتسارع فيه التحولات لم تعد الثروات تقاس فقط بما تمتلكه الدول من موارد طبيعية أو قدرات اقتصادية، بل بما تملكه من طاقة ايجابية قادرة على تحريك المجتمع نحو العمل والانجاز. فكما تؤثر الطاقة السلبية في الفرد وتحد من طموحه وقدرته على العطاء، فإنها تؤثر ايضا في المجتمعات والدول عندما تنتشر ثقافة الاحباط والتشكيك والخمول وتتحول الى سلوك عام يعيق التقدم ويضعف الثقة بالمستقبل.
الطاقة الايجابية ليست شعارات ترفع ولا كلمات تردد في المناسبات، بل هي ثقافة عمل وفلسفة حياة تقوم على الالهام والتحفيز وفتح الافاق امام الناس ليشعر كل فرد بأن له دورا حقيقيا في بناء مجتمعه. فالدولة الناجحة لا تكتفي بإدارة شؤونها اليومية، بل تعمل على بناء بيئة محفزة تجمع بين المسؤول والمواطن بروح وطنية قائمة على المعرفة والاحترام والشراكة في تحمل المسؤولية.
واذا كان من السهل نشر السلبية عبر الشائعات والاتهامات والخلافات، فإن بناء الطاقة الايجابية يحتاج الى جهد منظم تشارك فيه جميع المؤسسات. فالمدرسة والجامعة ووسائل الاعلام والمؤسسات الثقافية والرياضية والاقتصادية جميعها شريكة في صناعة بيئة تؤمن بالانجاز وتدفع الناس نحو الابداع والعمل. فالاوطان لا تبنى بالتنظير ولا بالجدل العقيم، بل ببناء الانسان القادر على تحويل التحديات الى فرص والافكار الى مشاريع والاحلام الى واقع.
ومن هنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي اداة مهمة في هذه المعادلة. فهي قادرة على نشر الوعي وتعزيز الانتماء وتسليط الضوء على قصص النجاح والانجاز، لكنها قد تتحول ايضا الى مصدر للطاقة السلبية عندما تصبح ساحة للفتنة والاحباط ونشر الكراهية. ولذلك فإن المسؤولية تقع على الجميع في توظيف هذه المنصات لخدمة المجتمع وتعزيز ثقافة البناء لا الهدم.
كما ان الطاقة الايجابية لا تتوقف عند العمل والانتاج فقط، بل تمتد الى مختلف جوانب الحياة. فالرياضة والثقافة والفنون والاغاني الوطنية التي تستحضر التاريخ وتعزز الهوية كلها عناصر تساهم في رفع الروح المعنوية وترسيخ الشعور بالانتماء. وهي ليست ترفا اجتماعيا كما يعتقد البعض، بل جزء من منظومة متكاملة تساعد على تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي وتعزيز الثقة بالمستقبل.
إن بناء الاوطان لا تصنعه المباني العالية ولا المشاريع الضخمة وحدها، بل يصنعه الانسان المؤمن بقدرته على التغيير. فالطاقة الايجابية هي المحرك الحقيقي لكل عملية تنمية، وهي القوة التي تحول المجتمع من حالة الانتظار الى حالة المبادرة، ومن ثقافة الشكوى الى ثقافة الانجاز. ولهذا جاءت جميع الرسالات السماوية داعية الى الامل والعمل والتفاؤل والتعاون بين الناس، لأنها تدرك أن بناء الانسان هو الطريق الاول لبناء الاوطان.
وفي النهاية تبقى الطاقة الايجابية ثروة لا تظهر في الموازنات ولا تقاس بالأرقام، لكنها قد تكون العامل الحاسم بين مجتمع يستهلك الفرص ومجتمع يصنعها، وبين وطن يعيش على هامش الاحداث ووطن يكتب مستقبله بيده.




