لم تعد الأزمة مقتصرة على فنادق البترا وحدها، بل باتت تشمل القطاع السياحي بأكمله، بجميع مكوناته من فنادق، ومطاعم، ومكاتب سياحة، وأدلاء، ونقل سياحي، وحرفيين… منظومة كاملة تقف اليوم أمام خطر الانهيار الحقيقي.
منذ 7 أكتوبر 2023، ومع اندلاع حرب غزة، وصولاً إلى تداعيات الحرب الأخيرة على إيران، والقطاع السياحي في البترا يرزح تحت أزمة متواصلة تجاوزت السنتين ونصف، دون تدخل حكومي فعّال يوازي حجم التحديات. هذه الفترة الطويلة من الضغوط لم تقابل بخطة إنقاذ حقيقية، بل بسلسلة من الاجتماعات والتصريحات التي لم تُترجم إلى قرارات ملموسة على أرض الواقع.
اليوم، المؤشرات لم تعد تحتمل التجميل أو التأجيل:
إغلاقات متتالية، منشآت تُعرض للبيع، وأكثر من 3000 موظف مهددون بفقدان وظائفهم. هذه أرقام صادمة تعكس حجم الخطر الذي يواجه أحد أهم القطاعات الاقتصادية في المملكة.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا هذا التجاهل؟ ولماذا هذا البطء في الاستجابة؟
القطاع يصرخ، والخسائر تتفاقم، والوقت يمضي… دون حلول حقيقية.
ما يزيد من تعقيد المشهد هو غياب الرؤية الواضحة؛ فالسياحة الأردنية اليوم تعاني من ضعف الرواية التسويقية، وسوء التخطيط، وارتباك في إدارة الملف السياحي، في وقت يفترض فيه أن تكون الجهود مضاعفة، والتسويق أكثر جرأة وانتشاراً لمواجهة تداعيات الظروف الإقليمية.
بدلاً من ذلك، نشهد قرارات تزيد الضبابية، مثل الإعلان عن تأجيل الفعاليات السياحية الدولية إلى إشعار غير مسمى، وهو ما يبعث برسائل سلبية للأسواق العالمية، ويعمّق حالة التراجع بدلاً من معالجتها.
والمشكلة لم تعد فقط في تراجع الإيرادات، بل في تضخم الالتزامات بشكل غير منطقي.
فالضمان الاجتماعي لم يخفف العبء، بل قام بترحيل الالتزامات وإعادة جدولتها مع إضافة نسب تقسيط، وكأنها قروض جديدة تثقل كاهل المنشآت بدلاً من دعمها.
وكذلك الحال بالنسبة لقطاعات الكهرباء والمياه وضريبة الدخل والمبيعات، حيث لم يتم إلغاء أو تخفيف هذه الالتزامات، بل تم تأجيلها فقط، ما يعني تراكمها بشكل أكبر في المستقبل. ببساطة، ما يحدث هو ترحيل للأزمة وليس حلّها.
المفارقة المؤلمة أن القطاع طرق جميع الأبواب: الحكومة، وزارة السياحة، الجهات المعنية… لكن دون نتيجة تُذكر. حتى البرامج التي أُعلنت سابقاً لم تُنفذ بالشكل المطلوب، وبقيت في إطار الوعود، وكأننا أمام حالة من "فاقد الشيء لا يعطيه”.
إن استمرار هذا النهج لا يعني سوى شيء واحد: تسارع الانهيار.
القطاع السياحي في البترا، بل في المملكة ككل، لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقه في البقاء. المطلوب اليوم هو تحرك فوري، بخطة إنقاذ وطنية حقيقية، تشمل دعماً مباشراً، وقرارات ملزمة، وإدارة أزمة بمستوى الحدث، وليس ترحيلها.
أما الاستمرار في النهج الحالي، القائم على التصريحات دون تنفيذ، فلن يؤدي إلا إلى خسارة قطاع كامل… وخسارة ثقة أيضاً.
لقد وصلنا إلى مرحلة لا يكفي فيها طرح الأسئلة… بل يجب أن نعرف:
إلى من نتجه بعد أن طُرقت جميع الأبواب؟
حفظ الله الأردن، لكن حماية اقتصاده وقطاعاته الحيوية مسؤولية لا تحتمل التأجيل أو التردد.




