القلعة نيوز- في مشهد أدبي يعج بالأصوات وتتزاحم فيه الأقلام، يبرز اسم الشاعرة اللبنانية هالة حجازي كعلامة فارقة وقامة إبداعية لا يخطئها الوجدان، فهي لا تكتب لمجرد رصف الكلمات، بل تطل علينا برؤية فنية تجعل من الحرف كائناً حياً يتنفس، وقدرة فريدة على تحويل المشاعر الإنسانية المعقدة والمستعصية على الوصف إلى نصوص أدبية تتنفس صدقاً وعمقاً يلامس شغاف القلب.
هي ابنة الأرض اللبنانية المعطاءة التي علمتها منذ نعومة أظفارها أن الشعر ليس مجرد ترف فكري أو تزجية للوقت، بل هو وسيلة حقيقية للمقاومة بالكلمة، وأداة مقدسة لترميم تلك الانكسارات التي تخلفها الحياة في الذات وفي الوطن على حد سواء، حيث تتجلى هويتها الشعرية بوضوح في تلك المنطقة الوسطى والساحرة ما بين رقة الأنثى في أبهى تجلياتها وصلابة الموقف في أحلك الظروف، ممتزجة في قصائدها بين الرومانسية الحالمة التي تحلق في فضاءات الخيال والواقعية الصادمة التي تضعنا أمام مرآة أنفسنا بلا تجميل.
وتنطلق نصوصها ببراعة من حدود الذات الضيقة نحو رحاب القضايا المجتمعية والإنسانية الكبرى، مستخدمة أسلوباً لغوياً منساباً ينسل إلى الروح ب سلاسة مبتعداً عن التكلف والتعقيد، لكنه في الوقت ذاته يشحن الاستعارات بابتكار مذهل يجعل القارئ يقف طويلاً أمام كل صورة فنية، محاولاً فك رموز تلك الدهشة التي تغلف أبياتها.
وتتأرجح مواضيع نتاجها الأدبي بغزارة بين الحب بمفهومه الصوفي الواسع الذي يتجاوز الأشخاص ليشمل الوجود ككل، وبين مشاعر الاغتراب الوجودي والحنين الجارف إلى الجذور اللبنانية التي تسكن ثنايا حروفها وتمنحها نكهة الأرض والهوية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة تجربة هالة حجازي بمعزل عن "لبنانها" الذي لم يكن يوماً في قصائدها مجرد جغرافيا صامتة أو حدوداً رسمتها الخرائط، بل هو كائن حي ينبض، يتألم معها ويأمل من خلالها، فتراها ترسم بالكلمات ملامح بيروت، وتجسد وجع المدينة الصابرة وصمود الإنسان اللبناني الذي يأبى الانكسار أمام عواصف الزمن المتلاحقة، حتى يغدو الحزن في قصائدها حالة من الأناقة الفنية التي لا تعبر عن الضعف بقدر ما تمهد لانبعاث جديد من تحت الرماد.
وما يلفت النظر ويستدعي التأمل في كتابات حجازي هو تلك القدرة الفائقة على سرد الحالة الشعرية وتطويرها درامياً، فهي لا تكتفي بتقديم صور جمالية مجردة، بل تبني عوالماً متكاملة من المشاهد والحكايات التي يستطيع القارئ أن يتجول في تفاصيلها ويستنشق عبيرها، متميزة بتكثيف لغوي مدهش يوصل أعمق الفلسفات والمعاني بأقل عدد من الكلمات المختارة بعناية فائقة، مع الحفاظ الدقيق على إيقاع داخلي ونغمة موسيقية خفية تلامس الوجدان وتطرب المسامع حتى في أصعب قصائد النثر.
وفي هذا العصر الذي تطغى فيه السرعة وتتغول فيه الماديات والذكاء الاصطناعي، يأتي شعر هالة حجازي ليعيدنا إلى منابع آدميتنا الأولى، ويدعونا بدفء للتوقف قليلاً عن الركض، ومنح أنفسنا فرصة للتأمل في دواخلنا وإعادة اكتشاف مكامن الجمال المختبئة في التفاصيل الصغيرة التي نغفل عنها.
إنها الشاعرة التي تؤمن إيماناً مطلقاً بأن الكلمة أمانة ثقيلة، وأن الحرف الصادق هو الجسر الوحيد الباقي الذي يربط بين ضفتي اليأس والرجاء في عالم مضطرب، لتظل هالة حجازي صوتاً شعرياً نابضاً بالحياة وقوة ناعمة حجزت لنفسها مكاناً مرموقاً في ذاكرة الأدب العربي الحديث بفضل صدقها الفني الفذ والتزامها الإنساني العميق، ستبقي حروفها منارات هادية لكل من يبحث عن الحقيقة والجمال في أسمى صورهما.




