عدنان فيصل قازان - رئيس فريق آفاق التكنولوجيا
لا تُقاس أعمار القادة بعدد السنوات، وإنما بما يتركونه من أثر في أوطانهم، وبما يفتحونه من آفاق أمام شعوبهم، وفي عيد ميلاده الثاني والثلاثين، يحتفل الأردنيون بسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وهم يرون في حضوره نموذجًا لقائد شاب يحمل مسؤولية المستقبل بعقل الدولة، ويقترب من أبناء جيله بلغة العمل والإنجاز والإيمان بقدرات الإنسان الأردني.
منذ أن بدأ سموه حضوره في الحياة العامة، لم يكن الشباب بالنسبة إليه عنوانًا يُرفع في المناسبات، وإنما محورًا ثابتًا في مشروع وطني متكامل، فقد اختار أن يكون بينهم؛ في الجامعات، والمعاهد، والمصانع، والشركات الناشئة، ومراكز التدريب، ومواقع الخدمة والإنتاج، مستمعًا إلى أفكارهم، ومناقشًا لتحدياتهم، وداعمًا لطموحاتهم، لأن بناء المستقبل يبدأ ببناء الإنسان.
ولعل أكثر ما يميز رؤية سمو ولي العهد أنها لا تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها ترفًا أو قطاعًا منفصلًا عن بقية القطاعات، وإنما تنظر إليها بوصفها محركًا رئيسيًا للتنمية الوطنية، وأداة لإعادة تشكيل الاقتصاد، والتعليم، والخدمات، والإدارة، والصناعة، وحتى أساليب التفكير والإنتاج.
لقد أكد سموه في أكثر من مناسبة أن العالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، وأن الدول التي تستثمر في العلوم الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والابتكار، ستكون الأقدر على المنافسة وصناعة الفرص، ومن هنا جاءت دعواته المتكررة إلى مواكبة التطورات العلمية، وتأهيل الشباب بالمهارات الرقمية، وربط التعليم بمتطلبات الاقتصاد الجديد، وإعداد جيل يمتلك القدرة على الابتكار لا الاكتفاء باستهلاك المعرفة.
هذه الرؤية تتجاوز فكرة استخدام التكنولوجيا إلى بناء ثقافة وطنية جديدة قوامها الإنتاج والإبداع، فالتكنولوجيا في فكر سموه ليست مجرد تطبيقات وهواتف ذكية، وإنما صناعة، وبحث علمي، وريادة أعمال، وشركات ناشئة، وفرص عمل، واقتصاد قائم على المعرفة، وقدرة وطنية على إنتاج الحلول بدلاً من استيرادها.
ومن هذا المنطلق، أولى سموه اهتمامًا واضحًا بالتعليم المهني والتقني، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لبناء اقتصاد قادر على المنافسة، فالمهارة اليوم أصبحت رأس مال حقيقي، والاقتصاد الحديث يحتاج إلى مبرمجين، ومهندسين، وتقنيين، ومحللي بيانات، وخبراء أمن سيبراني، ومطوري ذكاء اصطناعي، بقدر حاجته إلى التخصصات التقليدية، لذلك كان تركيزه دائمًا على إعادة بناء العلاقة بين التعليم وسوق العمل، حتى يصبح التعليم بوابة للإنتاج والابتكار، لا مجرد محطة للحصول على شهادة.
وفي الوقت ذاته، حمل سمو ولي العهد رؤية واضحة تجاه الاقتصاد الرقمي، تقوم على تمكين الشباب من إنشاء شركاتهم، وتحويل أفكارهم إلى منتجات وخدمات قادرة على المنافسة، وخلق بيئة وطنية تدعم ريادة الأعمال والاستثمار في التكنولوجيا، فالاقتصاد الرقمي لم يعد خيارًا، بل أصبح أحد أهم أعمدة النمو الاقتصادي، ومصدرًا رئيسيًا للوظائف والاستثمارات في العالم.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد حضر في خطاب سموه باعتباره ثورة معرفية تستوجب الاستعداد المبكر، من خلال تطوير المناهج، وتأهيل الكفاءات، وبناء سياسات وطنية، وتشجيع البحث العلمي، وتهيئة المؤسسات للاستفادة من هذه التقنيات في الصحة، والتعليم، والقضاء، والزراعة، والصناعة، والخدمات الحكومية، بما ينعكس على جودة الحياة وكفاءة الأداء.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن مشروع التحديث الشامل الذي تشهده المملكة، سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا، فسموه يرى أن بناء الدولة الحديثة يبدأ بتمكين الإنسان، وتطوير المؤسسات، وإطلاق طاقات الشباب، وتوفير البيئة التي تسمح لهم بالمبادرة والإبداع وتحمل المسؤولية، ولهذا كان داعمًا لمسارات التحديث، ومؤمنًا بأن الشباب يجب أن يكونوا شركاء في صناعة القرار، وفي قيادة المئوية الثانية للدولة الأردنية.
وإذا كان الأردن اليوم يخطو بثبات نحو المستقبل، فإن ذلك يعود إلى رؤية هاشمية تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الموارد وحدها، وإنما في الإنسان، فالشباب الذين يلتقون سمو ولي العهد في الجامعات، أو يشاركونه جلسات الحوار، أو يعرضون عليه مشاريعهم، يدركون أنهم أمام قائد ينظر إليهم بوصفهم شركاء في البناء، لا مجرد متلقين للدعم.
وفي عيده الثاني والثلاثين، لا يحتفي الأردنيون بعمرٍ جديد فحسب، بل يحتفون بمسيرة قائد شاب جعل من المستقبل مشروعًا وطنيًا، ومن التكنولوجيا وسيلة للنهوض، ومن الذكاء الاصطناعي فرصة ينبغي أن يستعد لها الجميع، ومن الشباب الثروة التي تستحق أن تستثمر فيها الدولة بكل إمكاناتها.
كل عام وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بخير، وكل عام والأردن يمضي بثقة نحو مئويته الثانية، مستندًا إلى قيادة هاشمية حكيمة، ورؤية تؤمن بأن الأمم التي تصنع المعرفة، وتنتج التكنولوجيا، وتمكّن شبابها، هي الأمم الأقدر على كتابة مستقبلها.




