القلعة نيوز- محرر الشؤون المحلية - تظل مسيرة وزير الداخلية الأردني الأسبق سلامة حمّاد نموذجاً لـ "رجل الدولة الكلاسيكي" الذي ارتبط اسمه بالانضباط وفرض سيادة القانون بحزمٍ لا يلين في تاريخ الإدارة العامة الأردنية، لم يكن حمّاد مجرد مسؤولٍ عن حقيبة سيادية، بل جسّد عقيدةً أمنية وإدارية صارمة تقوم على فلسفة مركزية مُفادها أنّ هيبة الدولة تبدأ من قوة وتماسك مؤسسة الداخلية؛ وهو ما أكُسّبه لقب "الوزير الحديدي" لقدرته على قيادة الوزارة في محطات وأزمات أمنية مفصلية بصرامة بالغة.
وتجَلّت فلسفة حمّاد في إدارة المشهد الأمني والاجتماعي عبر ثنائية حاسمة توازن بين منع التجاوزات وفرض سلطة القانون بشكل مطلق ،فقد تمّيزّت فترات توليه الوزارة بقبضةٍ قوية تتابع أدق التفاصيل وتنسيقًا وثيقاً مع الأجهزة الأمنية لحماية السلم المجتمعي والممتلكات العامة، رافضاً أي تهاون يمس استقرار الدولة.
وفي الوقت ذاته، منح الحكام الإداريين، من محافظين ومتصرفين، صلاحيات واسعة باعتبارهم ركائز نفوذ الدولة في الميدان، مع إخضاعهم لمحاسبة دقيقة عند أي تقصير وبفضل خلفيته القانونية ومعرفته العميقة ببنية المجتمع العشائري، استطاع حماد توظيف العرف العشائري بذكاء كأداة مساندة لحقن الدماء وضبط الأمن، دون السماح بتجاوز القانون أو الخروج عن مظلة الدولة ولم تنفصل هذه العقيدة الميدانية عن رؤيته الإدارية الداخلية، حيث اشتهر بموقفه الثابت الرافض لتعيين أي شخصيات من خارج كادر الوزارة في المناصب القيادية كالمحافظين والمستشارين.
لقد أكسب الدفاع المستميت عن "أبناء الميدان" سلامة حماد احتراماً واسعاً داخل أروقة الوزارة؛ فقد شكّل سداً منيعاً لحماية حقوق الموظفين الذين أمضوا عقوداً في الخدمة، وصان أمانهم الوظيفي في الوصول إلى المناصب القيادية بدلاً من استقدام عناصر خارجية كان يراها مجحفة بحقهم، وعلاوة على ذلك، كان حماد ينظر إلى الوزارة ككيان مصون يتعامل مع ملفات بالغة الحساسية، مما يتطلب قيادات خضعت لاختبارات الولاء والكتمان، وتمتلك "الجرأة القانونية" والخبرة المتراكمة لاتخاذ قرارات أمنية حاسمة كالتوقيف الإداري وفض النزاعات دون تردد.
لقد ترك سلامة حماد أثراً عميقاً في الوجدان الإداري الأردني، بصفته المسؤول عن المؤسسة التي وصفها بـ "عمود الخيمة" في بنية الدولة، حيث نجح في ترسيخ مكانة المحافظ كعنوان للهيبة المستمدة من كرامة الوظيفة العامة، وحصّن الوزارة ضد محاولات التسيس أو المحاصصة، ليبقى نموذجاً للوزير الذي أدار مؤسسته بعقلية رجل الدولة الذي لا يساوم على هيبة القانون ولا يفرط في هوية المؤسسة.
ولم يكن رّفض حمّاد تعيين أشخاص من خارج الوزارة في مناصب عليا - كـ المحافظين والمستشارين- مجرد قناعة شخصية، بل كان مبدأً إدارياً راسخاً استند إلى قناعاتٍ جوهرية؛ إذ رأى أنّ مناصب وزارة الداخلية والحكم الإداري ليست "جوائز ترضية" سياسية تُمنح لاحد من خارج الوزارة من قطاعات أخرى أو للشخصيات العامة فمن وجهة نظره، يجب أنّ يتدرج المحافظ أو المتصرف وظيفياً؛ ليكون ملماً بتفاصيل العمل الميداني، وإدارة الأزمات، والتعامل مع المواطنين والمجالس المحلية.
لقد اعتبّر حمّاد أنّ استقدام أشخاص من خارج الوزارة وتعيينهم مباشرة في مناصب قيادية يمثل إجحافاً بحق موظفي الوزارة الذين أمضوا عقوداً بانتظار دورهم في الترفيع؛ وهو الموقف الذي أكسبه تقديراً كبيراً بين الحكام الإداريين وموظفي الوزارة، لشعورهم بأنه يحمي أمانهم الوظيفي وحقهم المشروع في الارتقاء المهني.
وتتعامل وزارة الداخلية مع ملفات أمنية واجتماعية وتقارير بالغة الحساسية، ويرى حماد أن "أبناء الوزارة" قد خضعوا لاختبارات الولاء والصبر والقدرة على كتمان أسرار الدولة عبر سنوات خدمتهم الطويلة، بينما قد يؤدي إقحام عناصر خارجية إلى إضعاف التماسك المؤسسي الصارم للوزارة.
وكان يؤمن بأن القادمين من خارج كادر الداخلية قد يترددون في اتخاذ قرارات أمنية أو إدارية حاسمة، كالتوقيف الإداري أو فض النزاعات، لافتقارهم إلى "الجرأة القانونية" والخبرة الميدانية التي يكتسبها الحاكم الإداري عبّر سنوات من العمل في هذا المناخ.
فقد كان سلامة حماد ينظر إلى الوزارة لا كحقيبة خدمية أو سياسية قابلة لتدوير النخب، بل كـ "عمود الخيمة" في بنية الدولة الأردنية، مؤمناً بأن الحفاظ على صلابة هذا العمود يستوجب حماية كادره من أي اختراق خارجي.
وخلاصة القول: أدار سلامة حماد وزارة الداخلية بعقلية "رجل الأمن والدولة الكلاسيكي" الذي يرى في المؤسسة كياناً مصوناً لا ينبغي أن يقوده إلا من تدرج في مدرسة الإدارة المحلية؛ مما جعله سداً منيعاً أمام محاولات "تسييس" التعيينات أو إخضاعها للمحاصصة بعيداً عن معايير الكفاءة والتدرج الوظيفي.




