القلعة نيوز: ماهر البطوش
في حياة الإنسان محطات تُفتح بها الأبواب، ومحطات أخرى يُختبر فيها ما حققه بعد عبور تلك الأبواب. وامتحان الثانوية العامة ينتمي إلى النوع الأول؛ فهو محطة تأسيسية تحدد الانتقال من التعليم المدرسي إلى التعليم الجامعي، لكنه لم يُصمم يوماً ليكون حكماً نهائياً على المسار العلمي والمهني للإنسان بعد سنوات من التطور والتخصص.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية في شرط معدل (80%) في الثانوية العامة للقبول في المعهد القضائي؛ فالمسألة ليست في قيمة التوجيهي أو أهميته، ولا في حق الجهة التنظيمية في وضع شروط للقبول، وإنما في السؤال حول مدى مشروعية إعادة استخدام معيار صُمم لمرحلة تعليمية سابقة ليصبح بوابة نهائية للوصول إلى وظيفة قضائية تتطلب معايير مختلفة تماماً.
إن الدولة عندما تمنح طالب القانون شهادة جامعية بعد سنوات من الدراسة، فهي لا تعترف فقط بإتمامه لمساقات أكاديمية، وإنما تقر بأنه أصبح يمتلك الحد الأدنى من المعرفة القانونية التي تؤهله للانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً. وخلال هذه الرحلة قد تتغير قدرات الإنسان، وتتطور شخصيته العلمية، ويظهر تفوقه الحقيقي في مجال اختاره وتخصص فيه.
ولهذا فإن العدالة في تقييم الأفراد لا تقوم على تجميد الإنسان عند أول رقم حصل عليه في حياته التعليمية، وإنما على قراءة المسار كاملاً. فهناك فرق بين سؤال "كيف كان الطالب عند بداية الطريق؟" وسؤال "ماذا أصبح بعد أن قطع سنوات من التعلم والتدريب؟" والوظيفة القضائية بطبيعتها ترتبط بالإجابة الثانية.
فالقاضي لا يحتاج إلى ذاكرة مدرسية متفوقة بقدر حاجته إلى عقل قانوني قادر على الموازنة والتحليل، وإلى شخصية تمتلك القدرة على فهم النصوص وربطها بالواقع، وإلى ملكة قضائية تتكون من خلال الدراسة المتخصصة والخبرة والممارسة. وهذه القدرات لا تظهر في شهادة الثانوية العامة، بل تتشكل عبر مراحل لاحقة أكثر ارتباطاً بطبيعة العمل القضائي.
ولا يعني ذلك بأي حال التقليل من شأن امتحان الثانوية العامة؛ فهو أساس مهم في البناء التعليمي، ورخصة العبور التي تنقل الطالب إلى مرحلة جديدة من المعرفة والتخصص، لكنه يبقى بداية المسار وليس معياراً دائماً للحكم على نهايته. فلو بقي الإنسان أسير لأول تقييم حصل عليه، لما كان للتعليم المستمر أو التطور العلمي أو التخصص أي معنى.
إن جودة التشريع لا تقاس بمدى صرامة الشروط، وإنما بمدى دقتها في إصابة الهدف. فالشرط القانوني الجيد هو الذي يختار أفضل وسيلة لتحقيق الغاية، لا الذي يضيف قيداً قد يؤدي إلى استبعاد عناصر قادرة على تحقيق الغاية ذاتها. وعندما يكون الهدف هو اختيار القضاة، فإن السؤال التشريعي يجب أن ينصب على الوسائل الأكثر قدرة على اكتشاف الملكة القضائية، لا على استحضار مؤشرات سابقة.
ومن هذه الزاوية فإن المادة السادسة من الدستور الأردني، بما قررته من مساواة وتكافؤ للفرص، لا تعني فتح الأبواب دون معايير، لكنها تعني أن تكون المعايير قائمة على أساس موضوعي يرتبط بطبيعة الفرصة نفسها. كما وأكدت الورقة النقاشية السابعة لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم أن الجدارة والكفاءة والاستحقاق هي الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه مؤسسات الدولة، باعتبارها الضمانة الحقيقية لترسيخ الثقة وتحقيق التميز في الأداء العام، لأن المؤسسات القوية لا تُبنى إلا عندما يصل إليها أصحاب الكفاءة الحقيقية.
إن الخطر ليس في وجود شرط للقبول، بل في أن يؤدي هذا الشرط إلى استبعاد من أثبتوا تميزهم في المجال الذي يتنافسون عليه. فخريج القانون الذي كان الأول على دفعته، أو الحاصل على تقدير امتياز، أو الذي أثبت تفوقه في البحث والتدريب والمسابقات القانونية، يقدم مؤشرات أكثر قرباً لطبيعة القضاء من نتيجة امتحان مدرسي سبق كل هذه المراحل.
إن بناء قضاء قوي لا يتحقق بكثرة الحواجز، وإنما بحسن اختيار من يعبرونها. فالمطلوب ليس تخفيف معايير الالتحاق بالمعهد القضائي، بل تطويرها لتقيس ما نريده فعلاً في القاضي: العلم، والقدرة، والاستقلال، والنزاهة، والقدرة على تطبيق القانون.
وفي النهاية إن احترام التوجيهي لا يتعارض مع إعادة النظر في أثره بعد سنوات من التطور الأكاديمي؛ فهو بوابة العبور الأولى، لكنه ليس حكماً مؤبداً على مستقبل الإنسان. فالمجتمعات التي تؤمن بالجدارة لا تسأل فقط: من أين بدأ الإنسان؟ بل تسأل أيضاً: إلى أين وصل؟ فالقضاء لا يحتاج إلى من يحمل أفضل رقم في أول الطريق، بل إلى من أثبت أنه الأفضل بعد أن قطع الطريق؛ فالأرقام تفتح الأبواب، لكن الكفاءة والجدارة هي التي تمنح صاحبها حق الوقوف على منصة العدالة.




