طلال الصقور
يعدّ القضاء العشائرية واحد من أعرق الأعراف والممارسات في المجتمع الأردني الذي يؤكد على إن القضاء العشائري ليس صفحاتٍ طواها الزمن، ولا تقاليدَ جامدةً تستظلُّ بظلال الماضي، بل هو إرثٌ حضاريٌّ متجذِّرٌ في وجدان المجتمع، وركنٌ من أركان تراثنا العشائري غير المادي، صاغته الحكمةُ، وهذّبته التجربةُ، وحفظته القيمُ جيلاً بعد جيل. فهو ذاكرةُ الجماعة حين تشتدُّ الأزمات، ولسانُ الصلح حين تعجزُ الخصومةُ عن إيجاد سبيلٍ إلى الوئام.
لقد قام القضاء العشائري، عبر العقود، على مبادئ الشهامة والعدل والإصلاح، فكان جسراً تعبر عليه النفوسُ من ضفاف الخصام إلى سعة التسامح، ومن مرارة النزاع إلى حلاوة الصفح. وما كان هدفه يوماً الانتصارَ لطرفٍ على آخر، بل الانتصارَ للحق، وصيانةَ الكرامة، ورتقَ النسيج الاجتماعي حتى لا يتمزقَ بخيوط الفتنة.
غير أن عظمة هذا الموروث تتجلى في إدراكه حدودَه، فهو ليس بديلاً عن القانون، ولا منافساً لسلطة الدولة، بل رديفٌ لها، يسير في فلكها، ويكمل رسالتها في تحقيق السلم المجتمعي. فالقانون هو المظلةُ الجامعةُ التي تقيم العدل وتحمي الحقوق، والقضاء العشائري هو الرافدُ الاجتماعي الذي يعز المصالحة، ويطفئ نيران الثأر، ويعيد للمجتمع توازنه بروحٍ من الرضا والتوافق. وإذا كان القانون يحكم بالنصوص، فإن القضاء العشائري يداوي بالصلح، وبين النص والحكمة تكتمل معادلة الاستقرار.
ومن هنا، فإن المحافظة على القضاء العشائري بوصفه تراثاً غير مادي لا تعني تجميده أو تقديمه على مؤسسات الدولة، وإنما تعني صون قيمه النبيلة، وتوثيق أعرافه الرشيدة، وتوجيهها بما ينسجم مع سيادة القانون ومبادئ العدالة الحديثة. فالأمم التي تحفظ تراثها لا تعيش في الماضي، وإنما تستمد منه القوة لتبني المستقبل.
*فيما يخص موضوع الجلوة
إن موضوع الجلوة هو جزء أصيل من منظومة القضاء العشائري الأردني.
ولذلك، فإن الحديث عن تعديل هذا البند أو المساس به لا يجوز أن يتم إلا من خلال اجتماع تشاوري موسّع، يضم أهل العِرفَة ومشرّعي القانون من القضاة العشائريين، وهم أهل "القلطة" و"قضاة الدم والعرض".
ونذكر منهم - مع حفظ الألقاب وتقديراً لمقامهم - على سبيل المثال لا الحصر:
شيوخ ووجهاء العشائر المعتمدون لحل النزاعات والخلافات وفق الأعراف والتقاليد البدوية والعشائرية المتوارثة، مثل قضايا الدم (منقع الدم)، والعرض، والسرقة مثال
ابن فايز، وابن قلاب، وابن زهير، وابن زبن، وابن حاتم. وابن طريف وابو الغنم وابن هداية وابن جازي وابن ماضي وابن خريشا وابن الكعيبر وابن سويحه ومن جميع محافضات المملكه والكثير من لما يذكر وهم كلهم مقدرين ولهم كل الاحترام.
ولجميع من أولتهم عشائرهم والدولة ثقة القضاء العشائري منذ قدم الزمن، وعيّنتهم قضاة عشائريين في مختلف محافظات المملكة.
هؤلاء هم المعنيون الذين يجب أن يجتمعوا لدراسة موضوع الجلوة وبحث سبل تطويرها وتعديلها بما ينسجم مع مصلحة الوطن والمجتمع.
*دور الوجهاء والكفلاء.
وإلى جانب ذلك، يجب العمل على تفعيل الوجه والكفيل العشائري وإعطائهم دوراً فاعلاً وصلاحيات حقيقية لضبط أطراف النزاع، وإلزام أهل المجني عليه بعدم الاعتداء على الأبرياء من ذوي الجاني.
إن حماية أمن المجتمع الأردني واستقراره تتطلب الموازنة بين إنفاذ العدالة القضائية الناجزة بحق الجاني وحده، وبين ترسيخ وعي يصون حقوق الأبرياء ويمنع تحويل العرف العشائري إلى عقوبة جماعية تمس أمن الوطن واستقراره.
وهكذا يبقى القضاء العشائري شجرةً ضاربةً في عمق الأصالة، باسقةً بأغصان الحكمة، تؤتي ثمارها أمناً ووئاماً، ما دام مستنداً إلى قيم العدل، ومؤازراً للقانون، وخادماً للمصلحة العامة. فلا تعارض بين الأصالة والمعاصرة، ولا تناقض بين العرف الرشيد والقانون العادل، بل هما جناحان يحلق بهما المجتمع نحو الأمن، وتترسخ بهما أواصر التلاحم، ويزدهر بهما وطنٌ عنوانه العدالة، وشعاره السلم، وروحه التآخي.
وفي الختام نقول:
الدم مصان، والحق ظاهر
والأبرياء خط أحمر.
فلنجعل القانون مرجعنا، والعرف ميزاننا، والمصلحة العامة غايتنا.
حمى الله الأردن وأهله من كل فتنة.




