الإنسان بين المرونة والترويض..
القلعة نيوز -
المجتمعات البشرية التي صنعت الحضارة هي التي استطاعت أن تبني الإنسان الواعي الذي يدرك أن هناك فرقًا بين الخضوع والجندية. عندما نكون كلنا مستعدين للجندية، عندها يستطيع القائد بناء وطن.
لا يصلح مجتمع عندما يكون كل أفراده جنودًا، ولن يصلح عندما يكون كل أفراده قادة، ولن يصلح عندما لا يعرف الإنسان فيه الصواب والخطأ، ولا يصلح عندما لا يعرف الإنسان متى يكون فاعلًا ومتى لا يكون فاعلًا، ولا يعرف تمامًا بوصلته الأخلاقية التي تضبط تصرفاته.
توجعنا الوطنية قليلًا، فأحيانًا تحمل معانٍ كبيرة وتصبح هدفًا ساميًا، وأحيانًا أخرى تفقد معناها عندما تصبح عبئًا على المواطن، أو تجبره الحاجة والفاقة على العيش بكفاف وضيق، فتصبح الواجبات تكاليف إضافية بالنسبة له.
هناك الكثير من المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة صياغة، وهناك الكثير من القضايا الأخلاقية والتربوية ضاعت ملامحها، ونحن نعيش بوادر أزمة في المفاهيم، ولن يصلح الحال إلا إذا عرف كل واحد منا دوره، وما له وما عليه.
الإنسان الذي يصنع حضارة، إنسان المعرفة والعلم والانضباط، الذي يصنع الجندي الذي يبني الوطن، وبين ذلك الإنسان التائه بين الرفض والخضوع، ذلك الخضوع الذي ينزع عنه الروح، ويجعله يقوم بالعمل ضمن الحدود الدنيا أو تحت الرقابة فقط، هذه شعوب تسير برضاها إلى حتفها. الفرق بين أن يكون الإنسان فاعلًا أو يكون الإنسان كلًّا، بين إنسان ينضبط عندما يتعلق الأمر بالأمة والوطن، وينتفض عندما يكون الأمر صناعة الترويض.
هناك الإنسان الإنسان، وهناك الإنسان العصا، وهناك الإنسان القائد، وكل واحد من هؤلاء يختلف عن الآخر، ولكن ماذا نريد نحن، ومتى نريد هذا ولا نريد ذلك؟ وهل من الغريب إذا قلنا إن بناء أي حضارة يحتاج إلى أن يكون لدى الإنسان القابلية ليكون أي واحد من هؤلاء.
صناعة المواطن، أو بناء المواطن، أو ذلك الإنسان الذي نريد...
ونحن الآن نعزف على وتر الوطنية والمواطن، وربما أصبح مصطلح الحقوق والواجبات يلقى أذنًا صاغية، ولكن أين يقف كل واحد منا من هذه المصطلحات؟
وتقف مع تلك الفتاوى التي تحرم الخروج على الإمام، برغم ظروف القهر والفقر والظلم، وحتى وإن بلغ الظلم مبلغًا كبيرًا، ولكن لماذا؟ هل هي نوع من الترويض، أم هي من قبيل أمر آخر؟
عند أهل الفقه قاعدة فيها كلام عريض، هي: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، ولذلك بحثوا في هل تتساوى المفسدة أو المصلحة، وفرص تحقق المصلحة والمفسدة، ومن هي أكبر من الأخرى، ومن هنا تجد أن الفقهاء بحثوا في المصلحة العليا للمجتمعات واستقرارها، ولذلك كانت الفتوى تحمل بعدًا آخر، هو الأمة.
ويجب أن ندرك نحن أيضًا الضرر والفائدة من كل فعل أو انفعال لحركة ما في المجتمع، وحتى لو كانت مجرد نقل لخبر، وما أثر نشر هذا الخبر، ويجب أن يكون الوعي حاضرًا قبل الفعل.
ولذلك حض الإسلام على التفقه، وتخصيص فئة تدرس هذه المسائل، وتدرك الخطر الكامن خلفها، لتكون مركز إنذار مبكر لمجتمعاتها: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾. ومع أن المقصود هنا هو التفقه شرعًا، ولكن الضابط في هذه الآية هو معرفة الخطر والإحاطة به؛ لإنذار الأمة من الأخطار المحدقة بها، ولذلك كان الفقهاء المخلصون دائمًا هم من يعلق الجرس في الحوادث الخطيرة، وما العز بن عبد السلام ولا الإمام أحمد ببعيدين عن هذا.
وهناك أيضًا مصطلحات من قبيل صناعة الإنسان، هي أساس الحضارة، وما يميز كل حضارة عن غيرها هو الإنسان، الإنسان في كافة مواقعه، من القائد إلى الجندي، ومن الرئيس إلى المواطن. الإنسان هو تلك اللبنة التي تجعل الإنتاج في الوطن يتجه في اتجاه إيجابي أو سلبي، وهو الذي يجعل حركة المجتمع تتجه صعودًا أو هبوطًا.
ففي لحظة يجب أن يكون جنديًا، وفي أخرى يجب أن يكون قائدًا، وفي ثالثة يجب أن يكون مبادرًا، وفي رابعة يجب أن يكون متلقيًا، وأنه إذا تم خلط هذه المفاهيم عند المتلقي فإن النتيجة، للأسف، تكون كارثية.
وهنا أقف مع خالد بن الوليد وعمر، رضي الله عنهما، وقضية عزل خالد عن قيادة الجيش، وهذا الوعي بأهمية الرسالة وحملها وأدائها. نعم، عندما يكون الهدف واضحًا وساميًا، عندها تصبح التضحيات الكبيرة صغيرة في سبيل تحقيق هذا الهدف.
يكمن الفرق بين الصحابي في المجتمع القرشي، والصحابي في مجتمع المدينة المنورة، بين عمر وعمر، وخالد وخالد، هنا يكمن الفرق.
إبراهيم أبو حويلة...




