القلعة نيوز: د٠ علي الطراونة
هناك عبارات تمر على الإنسان مرور الكرام، وعبارات أخرى تتوقف عندها طويلًا لأنها تلامس القلب قبل العقل. ومن أكثر ما بقي عالقًا في ذهني هذه الوصية: "اجعل الدنيا وسيلة لا غاية."
كلما تأملت هذه الكلمات، ازددت يقينًا بأنها ليست مجرد نصيحة، بل أسلوب حياة لو فهمه الناس لتغيّر الكثير من واقعهم.
للأسف، أصبحنا نعيش في زمن يقاس فيه النجاح بعدد المتابعين، وقيمة الإنسان بما يملكه أو بما يعرضه للناس. أصبح كثيرون يلهثون خلف الشهرة، ويستنزفون أعمارهم لإثبات شيء قد لا يكون له أي قيمة بعد سنوات. ومع ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، وكثرة النفاق، والكذب، والخداع، والمظاهر المصطنعة، بات الهدوء عملة نادرة، وأصبح الإنسان يحتاج إلى أن يحمي قلبه قبل أن يحمي وقته.
وأنا أتأمل في هذا الواقع، حضرت في ذهني قصة نبي الله سليمان عليه السلام. رجل جمع الله له من أسباب القوة والملك ما لم يجمعه لغيره، ومع ذلك لم يكن هذا الملك سببًا في غروره، بل كان بابًا لشكره وإنابته إلى الله. لذلك جاء الثناء الإلهي عليه بقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص: 30].
توقفت كثيرًا عند هذا الوصف. لم يقل الله إنه نعم الملك أو نعم صاحب السلطان، وإنما قال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. وكأن الرسالة واضحة؛ مهما بلغت مكانتك، ومهما اتسعت دنياك، فإن أعظم منزلة يمكن أن يصل إليها الإنسان هي أن يكون عبدًا صالحًا، قريبًا من ربه، كثير الرجوع إليه.
هذه الآية تجعل الإنسان يعيد حساباته. فليس الخطأ أن ننجح، أو أن نبحث عن الرزق، أو أن نبني مشاريعنا ونحقق أحلامنا، بل الخطأ أن تصبح الدنيا هي الغاية، وأن يتحول كل همّنا إلى جمع المال أو ملاحقة الشهرة أو البحث عن رضا الناس، بينما نغفل عن رضا الله، وعن قيمنا، وعن رسالتنا في هذه الحياة.
أؤمن أن الدنيا جميلة عندما تكون في أيدينا، لكنها تصبح ثقيلة عندما تستقر في قلوبنا. نعمل فيها، ونجتهد، ونبني، ونفرح بما رزقنا الله، لكن مع يقين دائم بأنها محطة وليست نهاية الطريق، ووسيلة وليست غاية.
وفي خضم هذا الضجيج، أجد أن الإنسان يحتاج بين فترة وأخرى إلى أن يبتعد قليلًا، يراجع نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته، ويسأل قلبه قبل أن يسأل الآخرين: لماذا أعمل؟ ولمن أسعى؟ وما الأثر الذي سأتركه بعد رحيلي؟
لعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن نتذكر دائمًا أن كل ما في الدنيا إلى زوال، ويبقى العمل الصالح، والكلمة الطيبة، والأخلاق الحسنة، والأثر الذي يتركه الإنسان في حياة من حوله.
فاجعل الدنيا وسيلة تعينك على طاعة الله، وخدمة الناس، وتحقيق رسالتك... ولا تجعلها الغاية التي تنسيك من أنت، وإلى أين المصير.




