الدكتور يوسف عبيدالله خريسات
طرحت إحدى المواقع الإعلامية سؤالًا أثار اهتمام المتابعين من هو رئيس الوزراء القادم سؤال يبدو في ظاهره بحثًا عن اسم لكنه في جوهره بحث عن فلسفة الدولة في اختيار رجل المرحلة فالقضية ترتبط بالظرف الوطني الذي يحدد حاجات الدولة ومواصفات القيادة التنفيذية القادرة على التعامل مع تحدياتها.
ويبدأ فهم فلسفة الاختيار من قراءة حركة الدولة واتجاهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية فالمؤشرات التي تعكس أولويات المرحلة ومتطلبات الدولة تقود إلى قراءة الشخصيات القادرة على ترجمة هذه الأولويات إلى سياسات وبرامج وإنجازات ورئيس الوزراء الناجح هو الذي يقرأ اللحظة التاريخية ويحول متطلباتها إلى عمل حكومي مؤثر.
ويكشف البعد السياسي جانبًا أساسيًا من الاختيار فالقدرة على إدارة الحوار الوطني وبناء التوافق والتعامل مع المؤسسات الدستورية والأحزاب والقوى الاجتماعية تمثل عناصر مهمة في شخصية رئيس الحكومة لأن السياسة في جوهرها فن إدارة المصالح الوطنية وصناعة التوازنات.
ويفرض البعد الاقتصادي حضوره في ظل عالم تتقدم فيه التنمية بوصفها معيارًا رئيسيًا لنجاح الحكومات فالشخصية القادرة على فهم الاقتصاد وإدارة الموارد وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل تمتلك القدرة على التعامل مع التحديات وتعزيز الاستقرار والتقدم.
ويحضر الاعتبار الأمني باعتباره جزءًا من الرؤية الشاملة للدولة فالأمن الوطني يمتد إلى حماية الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية والحفاظ على تماسك المجتمع ومصالحه العليا.
ويعد البعد الاجتماعي عنصرًا مهمًا في اختيار رجل الدولة فالحكومة تدير مجتمعًا له تطلعاته واحتياجاته ولذلك تحتاج إلى شخصية قادرة على بناء الثقة مع المواطنين والاستماع إلى صوت المجتمع وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وعدالة توزيع الفرص.
أما الركيزة الثقافية فتمنح الاختيار بعده الإنساني والحضاري فالدولة التي تدرك قيمة الثقافة والتعليم والمعرفة تدرك أن بناء الإنسان أساس قوة المجتمع وأن الوعي الوطني قاعدة للاستقرار والتقدم.
ويقدم الخطاب الرسمي للدولة مؤشرات مهمة لفهم اتجاهات الاختيار فالخطب الملكية والكتب التكليفية ووثائق التحديث السياسي والاقتصادي والإداري تحدد أولويات المرحلة وتكشف حاجتها إلى قيادة قادرة على تحويلها إلى واقع.
كما يمثل السجل المهني عنصرًا رئيسيًا في قراءة الشخصيات المحتملة فالتجربة في إدارة المؤسسات والقدرة على اتخاذ القرار وتحقيق الإنجاز وبناء فرق العمل تمنح المسؤول رصيدًا عمليًا يكشف قدرته على تحمل مسؤولية الموقع.
ويمنح البعد الأخلاقي المنصب قيمته فالنزاهة والشفافية والشعور بالمسؤولية تمثل أساس الثقة بين الدولة والمجتمع لأن رجل الدولة يقاس بما يتركه من أثر.
السؤال الأهم يتعلق بمواصفات رئيس الوزراء الذي تحتاجه الدولة في هذه المرحلة فعندما تتحدد الحاجة الوطنية يصبح التنبؤ قراءة للواقع السياسي وفهمًا لمسار الدولة.
فالدولة تختار رئيس حكومتها لحماية مشروعها الوطني وصناعة مستقبلها وتشكل المرتكزات الفكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية البوصلة التي تقود القرار ورئيس الحكومة يمثل عنوان مرحلة وطنية بما يحمله من قدرة على تحويل الرؤية إلى إنجاز وتأتي الأسماء نتيجة لهذه الرؤية.




