قراءة في فلسفة التعديل بين حماية الحقوق وتعزيز الاستثمار
دعاء الشويخ
لم تعد الأرض في الاقتصاد الحديث مجرد مساحة جغرافية محددة، بل أصبحت أحد أهم الأصول الاقتصادية التي ترتبط بالتنمية والاستثمار والتخطيط الوطني. ومن هنا تأتي أهمية تعديلات قانون الملكية العقارية لسنة 2026، التي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تعديلات إجرائية، بل باعتبارها خطوة نحو تطوير الإطار التشريعي المنظم للقطاع العقاري، بما يحقق التوازن بين حماية الملكية الخاصة ومتطلبات النمو الاقتصادي.
فالقوانين العقارية في الدول الحديثة لا تقتصر مهمتها على تسجيل الملكيات وتنظيم التصرفات، وإنما تمتد لتكون جزءاً من منظومة التنمية الاقتصادية، من خلال تسهيل الاستثمار، وتحسين كفاءة استخدام الأراضي، وتوفير بيئة قانونية أكثر وضوحاً واستقراراً للمواطن والمستثمر على حد سواء.
القانون بين حماية الملكية ومتطلبات التنمية
إن جوهر أي تشريع عقاري ناجح يقوم على معادلة دقيقة: حماية حق الملكية من جهة، وتمكين الدولة والاقتصاد من الاستفادة من الثروة العقارية من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق، تأتي تعديلات قانون الملكية العقارية لتؤكد أن تنظيم الملكية لا يعني تقييدها، وإنما وضع قواعد أكثر وضوحاً تضمن حسن استخدامها، وتحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية أكبر منها.
فالملكية الخاصة حق مصان، لكنها في الوقت ذاته جزء من منظومة اقتصادية وطنية، وعندما تُنظم القوانين حركة التملك والاستثمار والتصرف بالعقارات، فإنها تفتح المجال لتحويل الأرض من أصل ثابت إلى عنصر منتج يساهم في خلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد.
تنظيم التملك وتشجيع الاستثمار
من أبرز المحاور التي تناولتها التعديلات تنظيم تملك غير الأردنيين للعقارات لغايات السكن الخاص ضمن ضوابط محددة، بما يحقق توازناً بين جذب الاستثمار وتنظيم استخدام الأراضي.
فالمسألة لا تتعلق بفتح المجال أمام التملك بصورة مطلقة، وإنما بوضع إطار قانوني واضح يحدد الغايات والمساحات والإجراءات، بما يحافظ على المصلحة الوطنية ويمنع أي استخدام غير منظم للأراضي.
كما أن تسهيل بعض إجراءات التملك للأشخاص الحكميين وتنظيم نشاط التأجير التمويلي يعكس توجهاً نحو تعزيز دور القطاع العقاري كرافد اقتصادي، خاصة أن الاستثمار العقاري يرتبط بشكل مباشر بقطاعات أخرى مثل الإنشاءات، والخدمات، والتمويل، وسوق العمل.
من العقار الجامد إلى الأصل الاقتصادي المنتج
إن القيمة الحقيقية لأي إصلاح تشريعي عقاري لا تقاس فقط بعدد المواد التي تم تعديلها، بل بقدرته على تغيير طريقة التعامل مع الأرض والعقار.
فالعقار في الاقتصاد الحديث ليس مجرد ملكية تحفظ القيمة، بل يمكن أن يكون محركاً للاستثمار والتنمية عندما تتوفر له بيئة قانونية مرنة وواضحة.
ومن هنا تأتي أهمية التعديلات المتعلقة بالإفراز المؤقت للبناء أو الطابق أو الشقة، باعتبارها خطوة تساعد على تنظيم السوق العقاري، وتسهيل عمليات التمويل والبيع، وتعزيز الثقة بين الأطراف المختلفة.
فكل إجراء يقلل التعقيد ويوضح الحقوق والالتزامات يساهم في تنشيط السوق، ويمنح المواطنين والمستثمرين قدرة أكبر على التخطيط واتخاذ القرار.
الاستملاك والتعويض: حماية الحقوق مع إنجاز المشاريع
لا يكتمل الحديث عن قانون الملكية العقارية دون التطرق إلى جانب الاستملاك، باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطاً بحقوق المواطنين والمشاريع العامة.
إن تطوير إجراءات التفاوض بشأن التعويض بين المستملك والمالك يمثل محاولة لتحقيق مزيد من المرونة والسرعة، مع الحفاظ على مبدأ العدالة في تقدير الحقوق المالية.
فالتنمية لا يمكن أن تقوم على تجاوز حقوق الأفراد، كما أن حماية الملكية لا ينبغي أن تتحول إلى تعطيل للمشاريع ذات النفع العام. والتوازن بين الجانبين هو جوهر الدولة القانونية الحديثة.
التحول الرقمي وبناء الثقة
ومن الجوانب المهمة في التعديلات تعزيز دور دائرة الأراضي والمساحة في تقديم الخدمات إلكترونياً، وهو اتجاه ينسجم مع مسار تحديث الإدارة العامة وتبسيط الإجراءات.
فالتحول الرقمي في القطاع العقاري لا يعني فقط سرعة إنجاز المعاملات، بل يعزز الشفافية، ويقلل الإجراءات الورقية، ويرفع مستوى الثقة في التعاملات العقارية.
وفي قطاع حساس مثل قطاع الأراضي، فإن وضوح المعلومات وسهولة الوصول إليها يمثلان عاملاً أساسياً في جذب الاستثمار وحماية حقوق المواطنين.
القانون كأداة لصناعة المستقبل
إن تعديل قانون الملكية العقارية يمثل فرصة لإعادة النظر إلى الأرض باعتبارها جزءاً من مشروع اقتصادي وطني، وليس مجرد ملكية فردية أو سجل قانوني.
فالدول التي نجحت اقتصادياً لم تعتمد فقط على مواردها، بل على قدرتها على وضع تشريعات تحول هذه الموارد إلى فرص.
واليوم يحتاج الأردن إلى تشريعات تحقق ثلاثة أهداف متوازنة: حماية المواطن، تشجيع الاستثمار، وتعظيم القيمة الاقتصادية للأرض.
فالقانون الناجح ليس الذي يختار بين المواطن والتنمية، بل الذي يجعل من حماية الحقوق أساساً لبناء التنمية.
إن الأرض ستبقى من أهم عناصر القوة الاقتصادية في الأردن، لكن القيمة الحقيقية لها تظهر عندما تتحول من مساحة مملوكة إلى فرصة منتجة، ومن أصل ثابت إلى محرك للنمو.
وعندما يكون القانون واضحاً وعادلاً ومتطوراً، فإنه لا ينظم الحاضر فقط، بل يرسم ملامح مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وقدرة على المنافسة.




