في الأردن، لا تحتاج إلى قراءة خرائط معقدة لفهم معنى التحولات الجارية في الشرق الأوسط فيكفي أن تنظر إلى الجهات الأربع: سوريا شمالًا، العراق شرقًا، فلسطين وإسرائيل غربًا، والبحر الأحمر والخليج جنوبًا فكل اضطراب في هذه الجغرافيا يمكن أن يتحول سريعًا إلى قضية أردنية، من أمن الحدود والطاقة والتجارة إلى الإرهاب والاقتصاد ولهذا فإن ما يجري اليوم ليس مجرد إعادة انتشار عسكري أميركي، بل اختبار حقيقي للنظام الأمني الذي حكم المنطقة لعقود، وامتحان للدول التي وجدت نفسها في قلب عاصفة تتغير قواعدها دون أن تتغير جغرافيتها.
في 30 سبتمبر، أكملت الولايات المتحدة انسحاب قواتها من العراق، منهية مرحلة عسكرية طويلة، بينما يستمر التعاون الإقليمي في مكافحة تنظيم داعش من خلال ترتيبات يكون الأردن جزءًا مهمًا منها وهذا التطور لا يعني أن واشنطن غادرت الشرق الأوسط، لكنها تعيد تعريف شكل وجودها وأولوياتها والمشكلة الحقيقية ليست في خروج قوة كبرى من موقع معين، وإنما في المساحة التي قد تنشأ بين نهاية الدور القديم وظهور ترتيبات أمنية جديدة وفي الشرق الأوسط تحديدًا، لا يبقى الفراغ فارغًا طويلًا فهناك دائمًا قوى إقليمية ودولية مستعدة لاختبار حدود النفوذ وإعادة رسم موازين القوة.
السؤال إذن لم يعد هل ستبقى الولايات المتحدة حاضرة في الشرق الأوسط أم ستنسحب؟ فالحضور الأميركي سيستمر بأشكال مختلفة، لكن السؤال الأكثر أهمية هو ماذا يحدث عندما تتراجع المظلة الأمنية التي اعتادت دول المنطقة الاعتماد عليها؟ هنا تبدأ الحسابات الأكثر تعقيدًا، لأن غياب القوة الأميركية المباشرة لا يعني بالضرورة قيام نظام أمني بديل ومستقر وقد يعني، في بعض الحالات، انتقال المنطقة من نظام تقوده قوة كبرى إلى مرحلة تتنافس فيها عدة قوى على رسم القواعد، بينما تحاول كل دولة حماية مصالحها بالوسائل المتاحة لها.
المشكلة ليست في أن تصبح دول المنطقة أكثر مسؤولية عن أمنها، فهذا قد يكون تطورًا طبيعيًا في العلاقات الدولية، وإنما في أن يحدث الانتقال من نظام إلى آخر من دون قواعد واضحة تمنع التصعيد فمن يضع الخطوط الحمراء؟ ومن يتدخل عندما يتحول حادث محدود إلى مواجهة أوسع؟ ومن يضمن ألا تتحول دولة إلى ساحة لتصفية حسابات دول أخرى؟ هذه الأسئلة تصبح أكثر خطورة في منطقة تتقاطع فيها أزمات غزة وسوريا والعراق ولبنان واليمن والخليج، وتوجد فيها جماعات مسلحة وصراعات نفوذ وحدود شديدة الحساسية، بحيث يمكن لخطأ واحد في الحسابات أن يفتح سلسلة من الردود يصعب التحكم في نهايتها.
العراق سيكون أحد الاختبارات المبكرة لهذه المرحلة فخروج القوات الأميركية لا يعني انتهاء التعاون الأمني، كما أن الدولة العراقية تمتلك اليوم مؤسسات أمنية وخبرة أكبر مما كانت عليه قبل سنوات، لكن التجربة السابقة تظل حاضرة في الذاكرة فقد أظهرت السنوات التي سبقت صعود تنظيم داعش أن الفراغات الأمنية والسياسية يمكن أن تتحول إلى بيئة خصبة للتنظيمات المتطرفة والصراعات المسلحة واليوم لا يتعلق التحدي العراقي بمواجهة داعش وحده، بل أيضًا بقدرة الدولة على الحفاظ على قرارها الأمني والسياسي في ظل تعدد القوى والنفوذات داخل البلاد وحولها.
ومن هنا يصبح الأردن جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة، لا لأنه يريد ذلك بالضرورة، وإنما لأن موقعه يفرض عليه ذلك فالمملكة تقع في نقطة تتقاطع عندها أكثر ملفات المنطقة حساسية، ولا تستطيع ببساطة أن تنأى بنفسها عن تداعيات ما يحدث حولها فالحدود السورية، والعراق، والقضية الفلسطينية، والكيان الصهيوني الإسرائيلي، والبحر الأحمر، كلها ملفات يمكن أن تنتقل آثارها إلى الداخل الأردني بطرق مختلفة ولذلك فإن الأمن الإقليمي بالنسبة للأردن ليس ملفًا خارجيًا منفصلًا عن الأمن الوطني، بل هو جزء مباشر منه، وأي خلل كبير في محيط المملكة يمكن أن يتحول إلى ضغط أمني أو اقتصادي أو سياسي.
ولهذا جاءت التحذيرات الأردنية من تداعيات التصعيد في المنطقة، ومن التطورات في جنوب سوريا، ومن استمرار التوتر الفلسطيني الإسرائيلي، في إطار التأكيد على ضرورة حماية سيادة الدول وخفض التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع فالأردن لا يملك رفاهية التعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها أحداثًا بعيدة فحدود المملكة ليست قابلة للنقل، والجغرافيا لا تمنحها خيار الابتعاد وفي المقابل، فإن استقرار الأردن يمنحه أهمية متزايدة في الحسابات الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل الحفاظ على هذا الاستقرار مصلحة أردنية، لكنه أيضًا مصلحة إقليمية أوسع.
السؤال الأصعب الآن هو.من سيملأ المساحات التي تتركها الولايات المتحدة؟ الإجابة لن تكون دولة واحدة فإيران تملك شبكة من النفوذ والأدوات، وتركيا توسع حضورها ومصالحها، وإسرائيل تعيد بناء حساباتها الأمنية، ودول الخليج تطور قدراتها وشراكاتها، فيما تبحث دول عربية أخرى عن صيغة تمنحها دورًا أكبر في صناعة أمن المنطقة ولذلك قد لا يكون الشرق الأوسط مقبلًا على حارس جديد، بل على مرحلة متعددة الحراس، أو بالأحرى متعددة مراكز القوة، حيث تحاول كل دولة حماية مصالحها وبناء شبكة علاقاتها الخاصة.
لكن تعدد مراكز القوة لا يعني بالضرورة مزيدًا من الاستقرار. فإذا غابت القواعد التي تنظم المنافسة، فقد يتحول التوازن إلى سباق نفوذ، وقد تتحول الشراكات الأمنية إلى أحلاف متقابلة، وقد تصبح الجغرافيا نفسها ساحة اختبار بين القوى المختلفة فالخطر الأكبر هنا ليس بالضرورة حربًا يخطط لها طرف واحد، وإنما سوء تقدير يبدأ بحادث صغير ثم يتوسع فضربة محدودة تستدعي ردًا، والرد يستدعي ردًا آخر، وفجأة تجد المنطقة نفسها أمام مواجهة لم يكن أي طرف يريدها بهذا الحجم.
وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى نظام أمني إقليمي جديد، لا يقوم على فكرة وجود قوة خارجية واحدة تتحمل مسؤولية حماية الجميع، ولا على ترك كل دولة تواجه مصيرها منفردة فالمطلوب هو شبكة من التفاهمات والشراكات والقدرات الوطنية والآليات الدبلوماسية التي تمنع الأزمات من الانفجار وهذا يتطلب تعاونًا أمنيًا واستخباريًا أكبر، واحترامًا لسيادة الدول، وقنوات اتصال مفتوحة حتى بين الخصوم، والأهم وجود إرادة سياسية تمنع تحويل المنطقة إلى ساحات دائمة لتصفية الحسابات.
بالنسبة للأردن، تبدو المعادلة أكثر حساسية فكلما ارتفعت المخاطر في الإقليم ارتفعت أهمية المملكة بوصفها دولة مستقرة تقع في قلب الجغرافيا المضطربة، لكن ارتفاع هذه الأهمية يعني أيضًا أن عليها أن تدير مرحلة دقيقة بحسابات شديدة الحذر والمطلوب ليس اختيار محور على حساب آخر بقدر ما هو حماية المصالح الوطنية وتوسيع الشراكات والحفاظ على أمن الحدود ومنع انتقال أزمات الجوار إلى الداخل وفي منطقة تتغير فيها موازين القوة بسرعة، يصبح الاستقرار نفسه أحد أهم عناصر القوة.
الشرق الأوسط إذن يقف أمام مرحلة انتقالية لن تحددها فقط حركة الجيوش والقواعد العسكرية، وإنما ستحددها أيضًا قدرة دوله على الاتفاق على قواعد تمنع الفوضى فالولايات المتحدة لن تختفي من المنطقة، لكن شكل حضورها يتغير، والقوى الإقليمية تتحرك لزيادة نفوذها، والدول العربية تجد نفسها أمام فرصة ومسؤولية أكبر في الوقت نفسه والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا ليس من سيحل محل أميركا، وإنما ما إذا كانت المنطقة قادرة على بناء نظام أمني لا يعتمد على حارس واحد ولا يسمح في الوقت نفسه بأن يتحول غياب الحارس إلى فوضى.
في النهاية، قد لا يكون أخطر ما في تراجع الدور الأميركي أن تترك واشنطن مساحة خلفها، وإنما أن تبدأ القوى الأخرى في التنافس على تلك المساحة قبل أن تتفق المنطقة على قواعد استخدامها فالفراغ السياسي والأمني لا ينتظر طويلًا، والقوة الأكثر استعدادًا للتحرك غالبًا ما تكون الأسرع في ملئه وبينما تتغير خرائط النفوذ من حوله، سيبقى الأردن أمام حقيقة لا يستطيع تغييرها موقعه يجعله قريبًا من كل أزمة، لكن استقراره يجعله أيضًا جزءًا من أي محاولة لبناء شرق أوسط أكثر توازنًا والسؤال الذي سيحدد السنوات المقبلة هو ببساطة هل تبني دول المنطقة نظامًا أمنيًا تشارك في صياغته، أم تترك الفراغ مفتوحًا حتى يكتب الآخرون قواعده؟









































