تزامناً مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية لا بد أن نعيد النظر في مفهوم الترشح نفسه؛ فالترشح ليس مجرد رغبة في الوصول، ولا بحثا عن موقع اجتماعي أو حضور عام، وإنما مسؤولية تبدأ قبل صندوق الاقتراع، حين يقف الإنسان أمام نفسه ويسأل: هل أملك فعلا ما يؤهلني لخدمة الناس؟ وهل لدي من المعرفة والخبرة والرؤية ما يمكنني من تحويل احتياجات المجتمع إلى مشاريع وحلول؟
هذه الأسئلة ليست ترفا، بل أصبحت ضرورة في مرحلة تحتاج فيها المجتمعات المحلية إلى قيادات قادرة على التفكير والعمل وصناعة المبادرات، لا إلى مجرد أسماء تحظى بشعبية أو تمتلك شبكة واسعة من العلاقات.
فالبلدية ليست مقعدا بروتوكوليا، ولا امتدادا للمكانة الاجتماعية. إنها مؤسسة ترتبط بحياة الناس اليومية، وبالخدمات والبنية التحتية والتنظيم والبيئة والاستثمار والتنمية المحلية، وهي تحتاج إلى من يفهم طبيعة هذه الملفات، ويمتلك القدرة على ترتيب الأولويات واتخاذ القرار وإدارة الموارد والعمل بروح الفريق.
ومن هنا، فإن أول ما يحتاجه من يفكر في الترشح أن يؤمن بقدرته على صناعة الفرق، لا أن يكتفي بالإيمان بقدرته على الفوز. فالفوز في الانتخابات قد يكون لحظة، أما إدارة المسؤولية فهي سنوات من العمل والقرار والمساءلة. والفرق كبير بين من يريد الوصول إلى الموقع، ومن يريد أن يفعل شيئا حقيقيا بعد الوصول إليه.
المرشح الذي يحتاجه المجتمع اليوم هو من يحمل فكرة قبل أن يحمل شعارا، ورؤية قبل أن يطلب الثقة، ومشروعا قبل أن يطلق الوعود. عليه أن يعرف ماذا يريد أن يغير، ولماذا يريد تغييره، وكيف يمكن أن يحقق ذلك، وما الإمكانات المتاحة، ومن هم الشركاء القادرون على مساعدته في تحويل الفكرة إلى مشروع قابل للتنفيذ.
فالمجتمع لا يحتاج إلى من يقول فقط: "سأخدمكم"، وإنما إلى من يستطيع أن يقول: هذه المشكلة التي تواجهكم، وهذه أسبابها، وهذه الحلول الممكنة، وهذه الخطوات التي يمكن اتخاذها، وهذا ما أستطيع أن أقدمه ضمن الصلاحيات والإمكانات المتاحة.
وفي العمل البلدي تحديدا، تصبح قيمة الفكر مضاعفة؛ لأن التنمية لا تبدأ دائما من وفرة الموارد، وإنما من القدرة على اكتشاف الموارد الموجودة أصلا. قد تكون في المنطقة أرض قابلة للاستثمار، أو موقع سياحي، أو منتج زراعي، أو حرفة تقليدية، أو طاقات شبابية، أو فرصة للشراكة مع القطاع الخاص. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع وفرص عمل وقيمة اقتصادية يحتاج إلى عقل يفكر خارج الحلول التقليدية.
وهنا تظهر الفروق الحقيقية بين المرشحين. فالشعبية قد تساعد الإنسان على الوصول، لكنها لا تكفي لإدارة مؤسسة. والعلاقات الاجتماعية قد تكون رصيدا إيجابيا، لكنها لا تعوض غياب المعرفة. والخطاب المؤثر قد يجذب الانتباه، لكنه لا يبني مشروعا ولا يدير موازنة ولا يحل مشكلة.
نحن بحاجة إلى مرشح يمتلك مهارات التفكير والتحليل، ويعرف كيف يستمع، وكيف يقرأ الواقع، وكيف يضع الأولويات، وكيف يعمل مع المختصين. مرشح يدرك أن المسؤولية العامة لا تعني أن يعرف كل شيء، وإنما أن يعرف أين يجد المعرفة، وكيف يستعين بأصحاب الخبرة، وكيف يحول المعرفة إلى قرار يخدم الناس.
والكفاءة هنا لا تعني الشهادة وحدها، ولا عدد سنوات الخبرة وحده، بل تعني مزيجا من المعرفة والقدرة على التفكير والاتصال وإدارة الاختلاف واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية والقدرة على العمل الجماعي والنزاهة في إدارة الشأن العام.
كما أن على المرشح أن يكون قادرا على مواجهة الحقيقة، لا على صناعة صورة انتخابية عنها. فالمسؤول الناجح ليس من يعد الناس بما يحبون سماعه، وإنما من يضع أمامهم ما يمكن تحقيقه فعلا، حتى لو كان ذلك أقل بريقا من الوعود الكبيرة.
ولذلك فإن على الناخب أيضا مسؤولية موازية. فالاختيار الواعي لا ينبغي أن يقوم على القرابة أو الصداقة أو الاعتبارات الاجتماعية والعشائرية وحدها، بل على سؤال جوهري: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يقدم؟ وما خبرته؟ وما رؤيته؟ وما المشاريع التي يحملها؟ وهل يستطيع أن يدير مؤسسة عامة في ظل الموارد المحدودة والتحديات المتزايدة؟
إن رفع مستوى التنافس الانتخابي يبدأ من رفع مستوى الأسئلة التي نطرحها على المرشحين. بدلا من أن نسأل فقط: من يعرف أكثر؟ علينا أن نسأل: من يفهم أكثر؟ ومن لديه رؤية أوضح؟ ومن يملك القدرة على تحويل الفكرة إلى خطة، والخطة إلى مشروع، والمشروع إلى أثر؟
وفي هذه المرحلة، نحتاج إلى أن ننتقل من ثقافة "المرشح الأكثر شعبية" إلى ثقافة "المرشح الأكثر قدرة على تقديم الحلول"، دون التقليل من أهمية الحضور الاجتماعي أو القدرة على التواصل مع الناس، وإنما وضع هذه العناصر في مكانها الصحيح ضمن منظومة أوسع من الكفاءة والمسؤولية.
فمن يحضى بالفوز في الانتخابات ينبغي عليه ان يحمل هم المجتمع، وأن يرى في الموقع تكليفا لا تشريفا، ومسؤولية لا وجاهة، وفرصة لخدمة الناس لا وسيلة لإضافة لقب جديد إلى اسمه.
ولهذا، فإن من يفكر في الترشح عليه أن يسأل نفسه سؤالا أكثر عمقا من: "هل أستطيع أن أفوز؟"
عليه أن يسأل: "هل أستطيع أن أنجح بعد الفوز؟"
فالفوز قد تمنحه أصوات الناس، أما النجاح فيمنحه العمل والإنجاز والأثر.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون التحدي الحقيقي في الانتخابات البلدية هو الوصول إلى الكرسي، بل أن يكون التحدي هو إثبات أن الثقة التي منحها الناس لم تذهب إلى الشخص الخطأ. فالناس تستحق قيادات تؤمن بقدراتها، وتعرف حدودها، وتطلب مساعدة الخبراء حين تحتاجها، وتملك فكرا عميقا، ورؤية واقعية، وإرادة للعمل .
فالترشح مسؤولية، والثقة أمانة، والكفاءة ليست ترفا في إدارة الشأن العام؛ إنها أساس الاستحقاق الحقيقي.








































