ستبقى النوايا حبيسة أنفسٍ قضت، ولن يستطيع أحد معرفتها. يصل العالم إلى مراحل من الاحتقان والتوتر، وتطفو على السطح إشارات واضحة عن حجم هذا التوتر العميق بين المكونات المشكلة لهذه الأرض. هذه الصفائح التوترية، وليس التكتونية، تلتقي في نقاط معينة لتشكل براكين بشرية ليست سوى مؤشر عن مدى قوة ما خلفها من المشاعر العميقة، وتلك المشاعر التي تتشكل في الأنفس هناك ومدى قوتها. العالم اليوم يقف على حافة تجاذبات كبرى، فالصين من جهة، وروسيا من جهة أخرى، والعالم الإسلامي منقسم على نفسه، فالشيعة الذين تقودهم إيران والمتحالفون معها لهم أهدافهم، وخلقوا تحالفات وجماعات وميليشيات، ويسعون بقوة لتحقيق تواجد على الأرض، وتوازن ولو نسبي من خلال صناعات الأسلحة المختلفة من صواريخ ومسيّرات، ويسعون لصناعة قنبلة نووية، وهم يتبادلون المعرفة والخبرات مع ميليشيات تابعة لهم، ويغدقون عليها بالتدريب والمال والعقول.
والسنة ضائعون بين تحالف تقوده قوة أمريكية إسرائيلية متصهينة تريد تحقيق أهدافها على حسابهم وعلى حساب أرضهم وكرامتهم، وتضعهم في موضع لا يُحسدون عليه، كما يقول جيفري ساكس، المستشار لعدد من السياسيين الدوليين ورئيس شبكة الحلول المستدامة التابعة للأمم المتحدة، فهم من جهة وافقوا على إعطاء الشرعية الدولية للكيان، شريطة تنفيذ الاشتراطات الدولية بإقامة دولة فلسطينية على أراضي السابع والستين وعاصمتها القدس الشرقية، ولكن، والقول له، من تلاعب بقرارات الشرعية الدولية هم الولايات المتحدة برؤسائها ووزراء خارجيتها ومستشاريها وقادة الكيان الذين كانوا يرفضون كل الحلول الممكنة والمقبولة عربيًا وإسلاميًا، حتى من قبل ميليشيات وجماعات المقاومة، وهذا ما أعلنه قادة المقاومة في 2017، ووافقت عليه إيران في اجتماع الأمم المتحدة، والقول له.
الولايات المتحدة وقادة الكيان هم سبب في عدم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في المنطقة، ما يضع المنطقة كاملة في برميل بارود، كما يقول أستاذ العلاقات الدولية والخبير جون ميرشامير، ولا حل في الأفق. فمن جهة، تسعى بعض القيادات في الكيان وفي الولايات المتحدة خلف رؤية إنجيلية توسعية، ومن جهة أخرى، لا حل ولا نية لإعطاء الفلسطينيين والعرب من خلفهم أي شيء، بل على العكس، وجود قيادات من مثل النتن ياهو وسموتريتش وبن غفير في قيادة الكيان يخلق صدامًا حقيقيًا مع القوى المعتدلة في المنطقة، ويدفع المنطقة نحو أماكن لا يمكن التنبؤ بها، والقول له. الولايات المتحدة تسعى لأن تكون القوة الوحيدة المهيمنة على الكوكب، فتسيطر على نفط فنزويلا وتحاول السيطرة على نفط إيران والخليج معه، وفي المقابل، تسعى الصين ومن خلفها روسيا لأخذ حصة من الكعكة في المناطق الخاصة بهم، وهنا حدث الصدام وهو سيتطور لا محالة، وفي حال سعت الصين أو روسيا لموطئ قدم في نصف الكرة الجنوبية، فإن الاصطدام سيكون حتميًا، ولذلك يسعى جيفري ساكس لإقناع دول أمريكا اللاتينية بعدم الانجرار وراء شيء من هذا القبيل.
وأوروبا لها رأي آخر، فهي ترى في روسيا العدو الاستراتيجي الذي يجب إخضاعه، وروسيا تتطور إمكانياتها الحربية والمالية في ظل الحرب واقتصاد الحرب والمقاطعة الغربية، ويبدو أن الصين تمارس ما تتقنه، وهو السياسة الناعمة والتغلغل الناعم في المفاصل التي تسعى للسيطرة عليها، أو جعلها تميل لصالحها، ومن هنا يظهر دورها في الحروب التي تدور اليوم، وهو دور يحتاج إلى بحث منفصل للوقوف على ماهيته وحقيقته، ولكن سعي أوروبا لإخضاع روسيا سيكون له ثمن كبير على العالم، تمامًا كما هو سعي الكيان وأمريكا لإخضاع إيران جعل العالم يدفع ثمنًا كبيرًا إلى اليوم.
وهنا حتمًا نجحت اليد الصهيونية ومن خلفها الداعم الأكبر لها الولايات المتحدة، واللتان تمارسان هذا التطرف وهذه الإبادة وهذا الفصل العنصري الذي نشاهده يوميًا في الضفة وغزة، نجحتا في خلق شعور كراهية قوي ومتنامٍ تعدى المكون العربي ليصبح عالميًا، يعظم مع كل اعتداء ويكبر مع كل تجاوز للأعراف الإنسانية والدولية، وسعى اليمين المتطرف الصهيوني بكل قوته لفرض واقع على الأرض لا يتماشى مع العدل والقيم الإنسانية، ويعاقب الضحية ويسكت عن الجلاد. ولكن إلى أين ستصل هذه المشاعر الغاضبة المتصاعدة، وهل ستصبح قوة تضغط على الكيان وأمريكا والغرب من خلفهم لتغيير السياسة الداعمة للفصل العنصري والإبادة الجماعية في فلسطين؟ الأيام كفيلة بإيضاح النتائج.
وهذه المشاعر المتعاظمة المتنامية هي التي ستقود المشهد في قابل الأيام. نعم، الضحية في موقف لا تُحسد عليه، سواء في فلسطين أو لبنان أو حتى في أوكرانيا، ومن الممكن أن تتسع دائرة المعاناة لتشمل أوروبا وشعوبها إذا وصلت إليها نيران الحرب الأوكرانية، كما تريد مجموعة من القيادات السياسية في أوروبا، ونعم، الدول العربية تسعى بكل قوتها لتحييد القوى الدولية الغاشمة الداعمة لهذا الكيان، وهنا أقول جميعها، سواء اتفقت مع المقاومة أو اختلفت معها، لأنها ليس لها مصلحة في تنامي هذه المشاعر وتعاظمها، لأنها ستكون مناطق ساخنة في الأيام المقبلة، ولذلك تسعى جاهدة من أجل مصلحتها أولًا لنزع فتيل هذا الصراع، ومحاولة الخروج بأقل الخسائر، وحل سياسي يحقق العدل للضحايا في فلسطين وغيرها.
ولكن، للأسف، وحسب ما رشح من أكثر من مسؤول صهيوني وأمريكي، فهذه الفئة تعتبر ما حدث فرصة لخلق واقع جديد وتقسيم جديد ونزع مكاسب جديدة لصالح تحالفهم، وهم لديهم القدرة العسكرية، نعم، ولكن ما يحبط هذا المخطط هو صمود شعوب المنطقة في وجه هذا المخطط، ولكن هل تستطيع هذه الشعوب الاستمرار في الصمود؟ وهنا لا بد من دعم هذا الصمود شعبيًا ومعنويًا وماديًا وسياسيًا، لأن انهيار الصمود الشعبي سيكون له تبعات خطيرة، ليس على فلسطين وحدها، ولكن على دول المنطقة والعالم، للأسف، في ظل قيادة هذا الكيان.
نعلم تمامًا بأن ما يسعى له التحالف الدولي هو التخلص من كل صور المقاومة لمشروعه وأشخاصها وجماعاتها، ولا يهم أين كانت هذه المقاومة، لأن التعامل معها يشكل عائقًا كبيرًا في تمرير مخططاته الاستعمارية والتوسعية والهيمنة على المنطقة، ويفضل التعامل مع جماعات منخرطة في النظام الدولي، لأنه من الممكن السيطرة عليها من خلال الاتفاقيات والأموال والمساعدات والمنح والهبات والمناصب والخدمات الأخرى، ومن جهة أخرى من السهل معاقبتها عندما لا تنصاع له.
فهل سينجح، وتصبح المنطقة كلها رهينة لمجموعة من المتطرفين فكريًا وسياسيًا ودينيًا في العالم الغربي؟
تمر كل أمة في نقاط حرجة تحدد مسارها، ونعم، هناك تواريخ تكون نقطة انطلاق حضارية لما بعدها. غزوة بدر، وما أدراك ما بدر، مسيرة أمة ودفع حضاري وقوة في الدين وداعم قوي لما سيكون بعدها، وكان ما بعدها ليس كما قبلها. نعم، قد لا تكون نقطة الانطلاق انتصارًا، وهذا ما حدث في ثورة فيتنام، فذكرى تيت أو رأس السنة كانت بصورة ما فشلًا، ومات وقُتل الآلاف من الأبرياء بيد ماكينة الحرب الأمريكية التي قتلت البشر والشجر والثمر. أو ما حدث في جنوب أفريقيا من قبل ماديبا، نيلسون مانديلا. وحتى ما حدث في صلح الحديبية، والذي لم يعدّه الصحابة إلا اتفاق ذل وهوان ودنية، ولكن القرآن سماه فتحًا مبينًا، وهو ما كان.
قاد إبراهام لنكولن حربًا من أجل تحرير العبيد في الظاهر، وإن كانت الأهداف الحقيقية للحرب تبقى رهينة من أعلنها، فهل كان يسعى وراء الجنوب الغني، أم كان يسعى وراء زيادة الأيدي العاملة في الشمال، أم كان يسعى من أجل توحيد أمريكا وأن تكون بلدًا واحدًا وقوة واحدة وسوقًا واحدًا ويدًا واحدة؟ هل كان يريدها إمبراطورية ويتخيلها كما هي اليوم، أم كان يريد فقط تحرير العبيد؟ ذهب ضحية هذه الحرب حوالي ثمانمائة ألف إنسان. وفي المقابل، ثبت أن فرنسا وبريطانيا كانتا تدعمان الاتحاد في الجنوب لإطالة أمد الحرب وتقسيم أمريكا وتسهيل السيطرة عليها. وكان إن انتصر لنكولن وجاءتنا أمريكا، ونرى ما تفعله اليوم في العالم، تقيم تحالفات وتحارب على جبهات، وتسعى وراء كل ثروة موجودة على الأرض، من جرينلاند شمالًا إلى الصين إلى العالم العربي، فهل ستنجح؟
وهنا نحتاج الحكمة كي نعرف الصواب من الخطأ، كي نحدد طريق النجاة ونسلكه، في أحلك الساعات سوادًا. حتى أشد القلوب شكًا تبحث عن الإيمان في الساعات السوداء من حياتها، وهل صح عن ستالين أنه عندما كانت تسقط المدن الروسية وكاد الألمان ينتصرون توجه إلى الكنيسة، أم لم يصح؟ الشواهد كثيرة، ففي لحظة يضيق بها عقل الإنسان وصبره وحكمته عن فهم مآلات الأمور ونهاياتها، ويسعى لشيء يبعث الطمأنينة في نفسه، فيرفع يده للسماء متوسلًا، وهنا يتساوى الجميع تقريبًا.
ولكن نصر الله له شروطه وسنن وأحكام، ولا يتنزل بدعوة. وإلا لكانت الفئة المتصهينة من اليهود ومن سعى للحروب من الساسة الأمريكان أخذتهم دعوات من وقع عليهم ظلمهم من البشر، وأراحت العالم من شرورهم.












































