لَيْسَتِ الْفَوْضَى مُجَرَّدَ غِيَابٍ لِلنِّظَامِ، وَلَا هِيَ دَائِمًا مُقَدِّمَةٌ لِلْانْهِيَارِ، كَمَا أَنَّ «الْخَلَّاقِيَّةَ» لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّ كُلَّ فَوْضَى تُنْتِجُ مَخْرَجًا أَفْضَلَ.
وَمِنْ هُنَا تَبْدُو إِشْكَالِيَّةُ «الْفَوْضَى الْخَلَّاقَةِ» أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ تَعْبِيرٍ سِيَاسِيٍّ رَاجَ فِي الْخِطَابِ الدُّوَلِيِّ؛ فَهِيَ تَضَعُنَا أَمَامَ سُؤَالٍ مُقْلِقٍ: هَلْ تَنْشَأُ الْفَوْضَى بِحُكْمِ طَبِيعَةِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَتَعَقُّدِ تَحَوُّلَاتِهَا، أَمْ أَنَّهَا قَدْ تُصْبِحُ أَحْيَانًا صِنَاعَةً مُدَبَّرَةً، تُوَظَّفُ لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ مَوَازِينِ الْقُوَّةِ وَإِنْتَاجِ وَاقِعٍ جَدِيدٍ؟
فِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، لَا تَسِيرُ التَّحَوُّلَاتُ فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ. فَالْمُجْتَمَعَاتُ تَتَغَيَّرُ، وَالْمَصَالِحُ تَتَبَايَنُ، وَالْأَفْكَارُ تَتَصَادَمُ، وَالْمُؤَسَّسَاتُ قَدْ تَعْجِزُ عَنْ اسْتِيعَابِ سُرْعَةِ التَّغَيُّرِ. وَعِنْدَمَا تَتَّسِعُ الْفَجْوَةُ بَيْنَ مَا يَطْمَحُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَمَا تَسْتَطِيعُ الْمُؤَسَّسَاتُ تَقْدِيمَهُ، تَبْدَأُ عَنَاصِرُ الِاضْطِرَابِ فِي الظُّهُورِ.
وَهُنَا تَكُونُ الْفَوْضَى، فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، نَتَاجًا طَبِيعِيًّا لِاخْتِلَالِ التَّوَازُنِ، وَلَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ نَتِيجَةَ مُخَطَّطٍ سِرِّيٍّ أَوْ قَرَارٍ مُسْبَقٍ.
فَالتَّارِيخُ يُظْهِرُ أَنَّ بَعْضَ الِانْهِيَارَاتِ وَالِانْتِفَاضَاتِ وَالِاضْطِرَابَاتِ نَشَأَتْ مِنْ تَرَاكُمَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ: ضُغُوطٍ اقْتِصَادِيَّةٍ، وَفَوَارِقَ اجْتِمَاعِيَّةٍ، وَأَزَمَاتِ ثِقَةٍ، وَضَعْفٍ مُؤَسَّسِيٍّ، وَتَغَيُّرَاتٍ دِيمُوغْرَافِيَّةٍ، وَانْسِدَادٍ فِي قَنَوَاتِ التَّعْبِيرِ وَالْمُشَارَكَةِ.
وَعِنْدَمَا تَتَرَاكَمُ هَذِهِ الْعَوَامِلُ، قَدْ يَحْدُثُ الِانْفِجَارُ دُونَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ «مُخْرِجٌ» وَاحِدٌ يَتَحَكَّمُ فِي كُلِّ خُيُوطِ الْمَشْهَدِ.
لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ تَتَغَيَّرُ عِنْدَمَا تَدْخُلُ الْمَصَالِحُ الْخَارِجِيَّةُ عَلَى خَطِّ الْأَزَمَةِ. فَالْفَوْضَى الَّتِي تَنْشَأُ تِلْقَائِيًّا قَدْ تُصْبِحُ مَجَالًا لِلتَّوْظِيفِ السِّيَاسِيِّ، وَالِاسْتِثْمَارِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ. وَهُنَا يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ صِنَاعَةِ الْفَوْضَى وَاسْتِغْلَالِهَا؛ فَلَيْسَ مِنَ الدِّقَّةِ افْتِرَاضُ أَنَّ كُلَّ أَزْمَةٍ مَصْنُوعَةٌ، كَمَا لَيْسَ مِنَ السَّذَاجَةِ افْتِرَاضُ أَنَّ كُلَّ أَزْمَةٍ عَفْوِيَّةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ عَنْ تَضَارُبِ الْمَصَالِحِ.
وَهُنَا تَكْمُنُ خُطُورَةُ الْمُصْطَلَحِ نَفْسِهِ؛ فَإِطْلَاقُ صِفَةِ «الْخَلَّاقِيَّةِ» عَلَى الْفَوْضَى قَدْ يَمْنَحُ الِاضْطِرَابَ مَعْنًى إِيجَابِيًّا، وَكَأَنَّ الْهَدْمَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ طَرِيقٌ إِلَى الْبِنَاءِ.
وَهَذَا تَبْسِيطٌ خَطِرٌ؛ لِأَنَّ الْفَوْضَى قَدْ تُسْقِطُ نِظَامًا، لَكِنَّهَا لَا تَضْمَنُ وِلَادَةَ نِظَامٍ أَفْضَلَ. وَقَدْ تَفْتَحُ الْمَجَالَ لِلتَّغْيِيرِ، لَكِنَّهَا قَدْ تَفْتَحُهُ أَيْضًا لِلْعُنْفِ وَالتَّفَكُّكِ وَالِانْقِسَامِ وَضَعْفِ الدَّوْلَةِ.
إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي الْفَوْضَى لَيْسَ أَنَّهَا تُسْقِطُ قَدِيمًا، بَلْ أَنَّهَا قَدْ تُفْقِدُ الْمُجْتَمَعَ قُدْرَتَهُ عَلَى تَحْدِيدِ مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ. فَعِنْدَمَا تَتَرَاجَعُ قُدْرَةُ الْمُؤَسَّسَاتِ، وَتَضْعُفُ الثِّقَةُ، وَتَتَفَكَّكُ الْقَوَاعِدُ، لَا تَبْقَى السَّاحَةُ فَارِغَةً؛ بَلْ تَمْلَؤُهَا قُوًى أُخْرَى، قَدْ تَكُونُ مُنَظَّمَةً أَكْثَرَ مِنَ الْمُجْتَمَعِ نَفْسِهِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْفَوْضَى قَدْ تَكُونُ بَيْئَةً خَصْبَةً لِإِعَادَةِ تَوْزِيعِ الْقُوَّةِ. فَفِي أَوْقَاتِ الِاسْتِقْرَارِ، تَكُونُ الْمُؤَسَّسَاتُ وَالْقَوَانِينُ وَالتَّوَازُنَاتُ قُيُودًا عَلَى حَرَكَةِ الْفَاعِلِينَ. أَمَّا فِي أَوْقَاتِ الِاضْطِرَابِ، فَتَتَّسِعُ مَسَاحَةُ الْمُنَاوَرَةِ، وَيُصْبِحُ مَنْ يَمْلِكُ الْمَعْلُومَةَ وَالْمَوَارِدَ وَالتَّنْظِيمَ أَقْدَرَ عَلَى التَّأْثِيرِ فِي مَسَارِ الْأَحْدَاثِ.
وَلَا تَقْتَصِرُ الْفَوْضَى الْمُعَاصِرَةُ عَلَى الشَّارِعِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ؛ فَقَدْ أَصْبَحَتِ الْفَضَاءَاتُ الرَّقْمِيَّةُ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ بِنْيَةِ الصِّرَاعِ. فَسُرْعَةُ انْتِشَارِ الْمَعْلُومَةِ، وَالْمَعْلُومَةِ الْمُضَلِّلَةِ، وَالْمَقَاطِعِ الْمُجْتَزَأَةِ، وَالْخِطَابَاتِ الْمُسْتَفِزَّةِ، قَدْ تُسَاهِمُ فِي تَوْسِيعِ الِاسْتِقْطَابِ وَإِضْعَافِ الثِّقَةِ الْعَامَّةِ. وَأَصْبَحَتِ الْمَنْصَّاتُ الرَّقْمِيَّةُ مَجَالًا لِلتَّأْثِيرِ فِي الْوَعْيِ، لَا مُجَرَّدَ وَسَائِلَ لِلتَّوَاصُلِ.
وَمَعَ ظُهُورِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ التَّوْلِيدِيِّ، أَصْبَحَتِ الْقُدْرَةُ عَلَى إِنْتَاجِ الْمَحْتَوَى وَتَضْخِيمِهِ أَسْرَعَ وَأَرْخَصَ وَأَكْثَرَ تَعْقِيدًا. وَهَذَا يَجْعَلُ مُوَاجَهَةَ الْفَوْضَى الْمَعْلُومَاتِيَّةِ تَحَدِّيًا مُخْتَلِفًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي الْمَاضِي. فَلَمْ تَعُدِ الْمُشْكِلَةُ فِي قِلَّةِ الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ فِي قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى تَمْيِيزِ الْمَعْلُومَةِ الْمَوْثُوقَةِ مِنَ الْمَحْتَوَى الْمُصَمَّمِ لِلتَّأْثِيرِ وَالتَّلْبِيسِ.
وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ مُجْتَمَعَ الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ فَقَطْ، بَلْ إِلَى «مَنَاعَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ». وَالْمَنَاعَةُ الْمَعْرِفِيَّةُ تَعْنِي قُدْرَةَ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ عَلَى التَّحَقُّقِ، وَالتَّحْلِيلِ، وَمُقَارَنَةِ الْمَصَادِرِ، وَفَهْمِ السِّيَاقِ، وَرَفْضِ الِانْجِرَارِ خَلْفَ الْمُحَفِّزَاتِ الْعَاطِفِيَّةِ الَّتِي تَسْبِقُ التَّفْكِيرَ.
وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي جَوْهَرِهَا تَعُودُ إِلَى الدَّوْلَةِ وَالْمُؤَسَّسَةِ وَقُدْرَتِهِمَا عَلَى إِدَارَةِ التَّغَيُّرِ. فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَمْتَلِكُ مُؤَسَّسَاتٍ مَرِنَةً، وَقَنَوَاتٍ فَعَّالَةً لِلتَّعْبِيرِ، وَقُدْرَةً عَلَى الِاسْتِجَابَةِ لِلْمَطَالِبِ الْمَشْرُوعَةِ، وَنُظُمًا تَحْمِي الْحُقُوقَ وَتَفْرِضُ سِيَادَةَ الْقَانُونِ، يَكُونُ أَقَلَّ قَابِلِيَّةً لِلانْزِلَاقِ إِلَى فَوْضَى شَامِلَةٍ.
أَمَّا حِينَ تَتَّسِعُ الْفَجْوَةُ بَيْنَ الْمُجْتَمَعِ وَمُؤَسَّسَاتِهِ، وَتَضْعُفُ الثِّقَةُ، وَيَتَرَاجَعُ الْإِحْسَاسُ بِالْعَدَالَةِ، فَإِنَّ الْفَوْضَى قَدْ تَجِدُ مَنْبَعَهَا فِي الدَّاخِلِ قَبْلَ أَنْ يَجِدَ الْخَارِجُ فِيهَا فُرْصَةً لِلتَّأْثِيرِ. وَهَذِهِ نُقْطَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ؛ فَأَحْيَانًا لَا يَحْتَاجُ الِاضْطِرَابُ إِلَى مَنْ يَصْنَعُهُ، بَلْ يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى مَنْ يَسْتَغِلُّهُ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الِانْشِغَالَ بِسُؤَالِ «مَنْ صَنَعَ الْفَوْضَى؟» قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ أَهَمِّيَّةً مِنَ السُّؤَالِ: «مَا الَّذِي جَعَلَ الْمُجْتَمَعَ قَابِلًا لِلْفَوْضَى؟». فَالْمُجْتَمَعُ الْمُتَمَاسِكُ لَا يَمْنَعُ كُلَّ أَزْمَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَمْلِكُ أَدَوَاتِ امْتِصَاصِهَا. وَالدَّوْلَةُ الْقَوِيَّةُ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي لَا تَشْهَدُ احْتِجَاجًا أَوِ اخْتِلَافًا، بَلْ هِيَ الَّتِي تَمْتَلِكُ مَسَارَاتٍ مَؤَسَّسِيَّةً لِإِدَارَةِ الِاخْتِلَافِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى صِرَاعٍ مُدَمِّرٍ.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ الْأَسَاسِيَّ بَيْنَ «الْفَوْضَى الطَّبِيعِيَّةِ» و«الْفَوْضَى الْمُوَظَّفَةِ» يَكْمُنُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى تَوْجِيهِ النَّتَائِجِ. فَالْفَوْضَى الطَّبِيعِيَّةُ تَنْشَأُ مِنْ تَفَاعُلِ عَوَامِلَ مُتَعَدِّدَةٍ دُونَ سَيْطَرَةٍ كَامِلَةٍ عَلَيْهَا، أَمَّا الْفَوْضَى الْمُوَظَّفَةُ فَقَدْ تَسْعَى قُوًى مُعَيَّنَةٌ إِلَى تَوْسِيعِ آثَارِهَا أَوْ تَوْجِيهِهَا نَحْوَ أَهْدَافٍ مُحَدَّدَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّتَائِجَ لَا تَبْقَى دَائِمًا تَحْتَ سَيْطَرَةِ مَنْ يَحَاوِلُ إِدَارَتَهَا؛ فَالْفَوْضَى، بِطَبِيعَتِهَا، تَمِيلُ إِلَى إِنْتَاجِ مُفَاجَآتٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ ضَمَانَهَا كَامِلًا.
وَهُنَا يَكْمُنُ التَّنَاقُضُ فِي تَعْبِيرِ «الْفَوْضَى الْخَلَّاقَةِ»: فَالْخَلْقُ يَحْتَاجُ إِلَى قُدْرَةٍ عَلَى الْبِنَاءِ، أَمَّا الْفَوْضَى فَلَا تَمْلِكُ فِي ذَاتِهَا مَشْرُوعًا لِلْبِنَاءِ. قَدْ تَكُونُ الْفَوْضَى بَدَايَةَ تَحَوُّلٍ، وَلَكِنَّهَا لَا تَضْمَنُ نَوْعَ التَّحَوُّلِ وَلَا جَوْدَتَهُ وَلَا نَتِيجَتَهُ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ التَّحَدِّي الْحَقِيقِيَّ لِلْمُجْتَمَعَاتِ لَيْسَ فِي مَنْعِ التَّغَيُّرِ، فَالتَّغَيُّرُ سُنَّةٌ فِي الْحَيَاةِ، وَلَا فِي إِلْغَاءِ الِاخْتِلَافِ، فَالِاخْتِلَافُ طَبِيعَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ؛ وَإِنَّمَا فِي تَحْوِيلِ التَّغَيُّرِ إِلَى إِصْلَاحٍ، وَالِاخْتِلَافِ إِلَى حِوَارٍ، وَالْأَزْمَةِ إِلَى فُرْصَةٍ، دُونَ السَّمَاحِ لِلْفَوْضَى أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى بَدِيلٍ عَنِ الدَّوْلَةِ وَالْقَانُونِ وَالْمُؤَسَّسَةِ.
فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يُرِيدُ مُسْتَقْبَلًا أَكْثَرَ اسْتِقْرَارًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِنْكَارِ أَزَمَاتِهِ، بَلْ إِلَى فَهْمِهَا مُبَكِّرًا. وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَمْعِ الْأَسْئِلَةِ، بَلْ إِلَى صِنَاعَةِ مُؤَسَّسَاتٍ تَسْتَطِيعُ اسْتِقْبَالَهَا. وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْعِ الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ إِلَى بِنَاءِ إِنْسَانٍ يَعْرِفُ كَيْفَ يَفْرِقُ بَيْنَ الْمَعْلُومَةِ وَالدِّعَايَةِ، وَبَيْنَ النَّقْدِ وَالتَّحْرِيضِ، وَبَيْنَ الِاخْتِلَافِ وَالْعَدَاءِ.
إِنَّ «الْفَوْضَى الْخَلَّاقَةَ» لَيْسَتْ قَانُونًا مِنْ قَوَانِينِ التَّارِيخِ، وَلَا مِفْتَاحًا سِحْرِيًّا لِبِنَاءِ الْمُسْتَقْبَلِ. إِنَّهَا مَفْهُومٌ يَحْتَاجُ إِلَى قِرَاءَةٍ نَقْدِيَّةٍ، تَفْصِلُ بَيْنَ الْفَوْضَى الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ تَرَاكُمَاتٍ طَبِيعِيَّةٍ، وَالْفَوْضَى الَّتِي قَدْ تَسْتَغِلُّهَا قُوًى وَمَصَالِحُ مُخْتَلِفَةٌ، وَبَيْنَ التَّغْيِيرِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى إِصْلَاحٍ، وَالْهَدْمِ الَّذِي قَدْ يَفْتَحُ بَابًا لِفَرَاغٍ أَخْطَرَ.
وَفِي النِّهَايَةِ، لَيْسَ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ: هَلِ الْفَوْضَى طَبِيعَةٌ أَمْ صَنِيعَةٌ؟ بَلْ: كَيْفَ نَبْنِي مُجْتَمَعًا لَا يَكُونُ سَهْلَ الِاسْتِدْرَاجِ إِلَى الْفَوْضَى، وَلَا سَهْلَ الِاسْتِغْلَالِ عِنْدَمَا تَقَعُ؟
فَحِينَ تَقْوَى الْمُؤَسَّسَاتُ، وَتَتَرَسَّخُ سِيَادَةُ الْقَانُونِ، وَتَتَّسِعُ مَسَاحَةُ الْحِوَارِ، وَتَتَحَسَّنُ قُدْرَةُ الدَّوْلَةِ عَلَى الِاسْتِجَابَةِ، وَيَرْتَفِعُ وَعْيُ الْمُجْتَمَعِ بِالْمَعْلُومَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، تَفْقِدُ الْفَوْضَى جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ قُدْرَتِهَا عَلَى الِاسْتِفْحَالِ.
وَعِنْدَهَا لَا تَعُودُ الْخَلَاقِيَّةُ فِي الْفَوْضَى نَفْسِهَا، بَلْ فِي قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى تَحْوِيلِ الِاضْطِرَابِ إِلَى تَعَلُّمٍ، وَالْأَزْمَةِ إِلَى إِصْلَاحٍ، وَالِاخْتِلَافِ إِلَى تَنَوُّعٍ، وَالتَّغَيُّرِ إِلَى تَقَدُّمٍ.
فَأَعْظَمُ «خَلَاقِيَّةٍ» لَيْسَتْ فِي هَدْمِ النِّظَامِ، بَلْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى تَجْدِيدِهِ دُونَ تَدْمِيرِ الْمُجْتَمَعِ؛ وَلَيْسَتْ فِي صِنَاعَةِ الْفَوْضَى، بَلْ فِي مَنْعِهَا مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى قَدَرٍ.















































