فِي زَمَنٍ لَمْ تَعُدِ المَعْلُومَةُ فِيهِ مُجَرَّدَ خَبَرٍ يُنْقَلُ، بَلْ أَصْبَحَتْ قُوَّةً تُؤَثِّرُ فِي الوَعْيِ، وَتُسْهِمُ فِي تَشْكِيلِ الرَّأْيِ العَامِّ، تَأْتِي انْطِلَاقَةُ «القَلْعَةِ نِيُوز» بِرُوحٍ مُتَجَدِّدَةٍ، لَا لِتُضِيفَ مَنْصَّةً إِخْبَارِيَّةً أُخْرَى إِلَى مَشْهَدٍ إِعْلَامِيٍّ مُتَسَارِعٍ، وَإِنَّمَا لِتُقَدِّمَ رُؤْيَةً إِعْلَامِيَّةً تَسْعَى إِلَى أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ سُرْعَةِ الوُصُولِ إِلَى الحَدَثِ، وَعُمْقِ فَهْمِهِ، وَدِقَّةِ مُعَالَجَتِهِ، وَمَسْؤُولِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ تَبِعَاتِهِ.
فَالْإِعْلَامُ الجَدِيدُ لَمْ يَعُدْ يَقِيسُ نَجَاحَهُ بِعَدَدِ الأَخْبَارِ الَّتِي يَنْشُرُهَا، وَلَا بِسُرْعَةِ سَبْقِهِ لِلْآخَرِينَ فَقَطْ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِلْمَعْرِفَةِ، وَمَجَالًا لِلْفَهْمِ، وَفَضَاءً لِلنِّقَاشِ الرَّصِينِ.
فَالسُّرْعَةُ قَدْ تَصْنَعُ سَبْقًا، وَلَكِنَّ الدِّقَّةَ وَالمِهْنِيَّةَ هُمَا اللَّتَانِ تَصْنَعَانِ الثِّقَةَ، وَالثِّقَةُ هِيَ رَأْسُ مَالِ الإِعْلَامِ الحَقِيقِيِّ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ تَجَدُّدَ «القَلْعَةِ نِيُوز» لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ عَلَى أَنَّهُ تَغْيِيرٌ فِي الشَّكْلِ أَوْ تَحْدِيثٌ فِي الأَدَوَاتِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ تَجْدِيدٌ فِي العَقْلِيَّةِ الإِعْلَامِيَّةِ، وَفِي طَرِيقَةِ صِيَاغَةِ السُّؤَالِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ قِرَاءَةِ الحَدَثِ وَرَبْطِهِ بِسِيَاقِهِ، وَفِي الاِنْتِقَالِ مِنْ مُجَرَّدِ نَقْلِ «مَا حَدَثَ» إِلَى تَفْسِيرِ «لِمَاذَا حَدَثَ، وَمَاذَا يَعْنِي، وَإِلَى أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُودَ؟».
وَلَعَلَّ أَهَمَّ مَا يَحْتَاجُهُ الإِعْلَامُ فِي مَرْحَلَتِنَا الرَّاهِنَةِ هُوَ أَنْ يَسْتَعِيدَ مَعْنَى «المَسْؤُولِيَّةِ المِهْنِيَّةِ». فَفِي عَالَمٍ تَتَدَفَّقُ فِيهِ المَعْلُومَاتُ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ، وَتَتَزَاحَمُ فِيهِ المَصَادِرُ، وَتَنْتَشِرُ فِيهِ الشَّائِعَاتُ وَالمُحْتَوَيَاتُ المُضَلِّلَةُ، وَتَتَدَخَّلُ أَدَوَاتُ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ فِي إِنْتَاجِ النُّصُوصِ وَالصُّوَرِ وَالمَشَاهِدِ، تُصْبِحُ مَهَمَّةُ الصَّحَفِيِّ أَكْبَرَ مِنْ مُجَرَّدِ النَّشْرِ؛ إِنَّهَا مَهَمَّةُ التَّحَقُّقِ، وَالتَّمْيِيزِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَحِمَايَةِ حَقِّ المُتَلَقِّي فِي مَعْرِفَةٍ صَحِيحَةٍ وَمُتَوَازِنَةٍ.
وَإِذْ تَحْمِلُ «القَلْعَةُ نِيُوز» اسْمًا يَسْتَحْضِرُ مَعَانِيَ الثَّبَاتِ وَالحِمَايَةِ وَالصُّمُودِ، فَإِنَّ التَّحَدِّي الحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعَانِي حَاضِرَةً فِي مَضْمُونِهَا الإِعْلَامِيِّ؛ قَلْعَةً لِلْمَعْلُومَةِ الدَّقِيقَةِ، وَحِصْنًا لِلْمِهْنِيَّةِ، وَمَسَاحَةً لِتَعَدُّدِ الآرَاءِ، وَجِسْرًا بَيْنَ الحَدَثِ وَالمُواطِنِ، وَبَيْنَ المَعْلُومَةِ وَالفَهْمِ.
إِنَّ الانْطِلَاقَةَ الجَدِيدَةَ لَا تَكْمُنُ فِي أَنْ نَنْشُرَ أَكْثَرَ، بَلْ فِي أَنْ نَقْرَأَ أَعْمَقَ، وَنَسْأَلَ أَدَقَّ، وَنَتَحَقَّقَ أَكْثَرَ، وَنُقَدِّمَ لِلْمُتَلَقِّي مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مَعْرِفَةٍ لَا تَسْتَهْلِكُ وَعْيَهُ، بَلْ تُنَمِّيهِ.
وَهُنَا تَبْدَأُ الرِّهَانَاتُ الحَقِيقِيَّةُ: رِهَانُ المِهْنِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ السَّرْعَةِ، وَرِهَانُ المَصْدَاقِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ الضَّجِيجِ، وَرِهَانُ العُمْقِ فِي مُوَاجَهَةِ سَطْحِيَّةِ المُحْتَوَى.
وَإِذَا نَجَحَتِ «القَلْعَةُ نِيُوز» فِي كَسْبِ هَذِهِ الرِّهَانَاتِ، فَإِنَّ تَجَدُّدَهَا سَيَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ حُلَّةٍ إِعْلَامِيَّةٍ؛ سَيَكُونُ تَجْدِيدًا فِي الرُّؤْيَةِ، وَفِي الأَدَاءِ، وَفِي العَلَاقَةِ مَعَ القَارِئِ.
فَالإِعْلَامُ الَّذِي يَلْحَقُ بِالخَبَرِ قَدْ يَنْقُلُهُ، أَمَّا الإِعْلَامُ الَّذِي يَسْبِقُ الخَبَرَ بِالسُّؤَالِ، وَيَلْحَقُهُ بِالتَّحْلِيلِ، وَيُرَافِقُهُ بِالمَسْؤُولِيَّةِ، فَهُوَ الَّذِي يَصْنَعُ الوَعْيَ.
«القَلْعَةُ نِيُوز»... انْطِلَاقَةٌ جَدِيدَةٌ، وَلَكِنَّ الرِّهَانَ الأَكْبَرَ أَنْ يَكُونَ التَّجَدُّدُ فِي الرُّوحِ قَبْلَ الشَّكْلِ، وَفِي المِهْنَةِ قَبْلَ الأَدَاةِ، وَفِي الثِّقَةِ قَبْلَ الأَرْقَامِ؛ فَالمَشْهَدُ الإِعْلَامِيُّ يَتَغَيَّرُ كُلَّ يَوْمٍ، أَمَّا المَصْدَاقِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي تَبْقَى.









































