لماذا تهرب بعض النخب من "الوجاهة" السياسية التي استمدت منها مشروعية حضورها وتأثيرها إلى "الوجاهة" الاجتماعية التي ترسخت تقاليدها في إطار "المشيخة" بأدوارها وواجباتها المعروفة؟ لكي يبدو السؤال مفهوماً، ما أقصده بالوجاهة لا ينصرف في سياق البحث عن الشهرة أو "البرستيج" أو ممارسة الأدوار "الصناعية"، وإنما الحضور الرمزي للشخصيات التي تتصدر المشهد العام، وتشكل قوة تأثير أو إلهام داخل المجتمع.
أكيد، لدى القارئ الكريم ملاحظات وانتقادات على واقع "الوجاهة " وتحولاتها في بلدنا، سواء أكانت سياسية، أو اجتماعية، أو دينية، أو غيرها، لكن اللافت هنا هو أن بعض الوجهاء السياسيين، خاصة الذين تركوا مقاعدهم أو تقاعدوا من وظائفهم، آثروا الانسحاب من السياسة واستقالوا من المشاركة في نقاشاتها، ثم وجدوا في الوجاهة الاجتماعية المنصة الفضلى للظهور والاستعراض، خاصة في مراسم الأعراس، حيث أصبحوا يتصدرون الجاهات؛ واحد يطلب يد العروس، وآخر يتكرم بالقبول.. وهكذا دواليك.
أسهل ما يمكن أن افعله هو أن اطالب " وجهاء " السياسة بالاعتذار عن تصدر الجاهات، وترك هذه المهمة الاجتماعية والدينية لأصحابها، باعتبارهم الأحق والأولى بها، لكن الأهم: لماذا يفعلون ذلك، ولماذا تركوا السياسة وشؤونها وصمتوا فيما كان يجب أن يكون لهم رأي وموقف فيها، هل المشكلة تتعلق بهم أم بالسياسة ومناخاتها العامة، هل أصبحت تكلفة الوجاهة السياسية ثقيلة على البعض، وربما غير مجدية؟ مهما تكن الإجابات والأعذار والتبريرات فإن الاختفاء والهروب من المشهد السياسي لمن كان جزءاً أساسياً منه وفاعل فيه، خاصة في هذا التوقيت الصعب الذي يمر به بلدنا، لا يمكن أن يقبل او يبرر مهما كانت الأسباب.
لماذا؟ الوجاهة السياسية ليست مجرد "تشريف " يمكن أن يُستبدل حين يُفتقد ، ليست أيضاً امتيازات شخصية أو وراثية تُستخدم عند الطلب ، أو تُقايض على موائد تقسيم الغنائم، وإنما مُلْك للدولة ، فهي التي منحتها، وهي بالتالي تكليف لا يسقط بانتهاء الوظيفة ، الوجاهة بهذا المعنى السياسي استثمار للدولة في رموزها الحقيقيين ورجالها المخلصين ، وهي خزان قوة استراتيجي يصب في بنية خيارات الدولة ومقرراتها، ويساهم بتوجيه بوصلتها في الاتجاه الصحيح حين تواجهها الأزمات، أخطر ما يمكن أن يحصل هو أن تتحول هذه الوجاهة إلى مجرد جاهات اجتماعية معزولة عن دورها الأساسي الذي خرجت منه، ولاجله أيضاً.
باختصار، أين نريد أو يُفترض أن نجد وجهاء السياسة في بلدنا؟ الإجابة: يجب أن يكونوا حاضرين في عمق أزماتنا وخياراتنا، في نقاشاتنا العامة وحواراتنا، في حركة السياسة وتحولاتها، نريدهم قادة للرأي العام حين يضطرب مزاجه، أو حين يتعرض لموجات التشكيك ومحاولات الاختراق والتوجيه، نريدهم في صدارة الفعل السياسي للدولة، لا في صدارة الجاهات والاستعراضات الاجتماعية فقط.









































