إبراهيم أبو حويله
العدو يسعى لاغتيال المعنى، والقوة، والصمود، والشجاعة، والبذل، والتضحية، والكرم، وإيمانك بنفسك؛ فيربط أي نصر بضعفك. يغتالك لأنه لا يستطيع أن يغتال ما تمثل. يصبح صوتك أكبر من كل أثر هناك، فيسعى لك. تصبح ميزانًا أخلاقيًا، فيريد أن يهدمه. تكون صورة حيّة تأبى الانكسار، فيسعى لكسرها. تتحول إلى هوية وعنوان، فيسعى لتشويهها. تصبح سيرة لا قناعًا، وحضورًا لا يغيب، وشاهدًا يعرف أكثر مما يقول. تصبح الحدث وإيقاعه وصموده، فلا يهدأ حتى يغتالك.
الخيانة، عند العدو، سردية بقاء لا سردية نصر؛ لأنه لا يملك سردية صلبة قادرة على المواجهة والاستمرار. وهنا يقول لك العدو إنه ليس قويًا، ولا أن سرديته خالدة، بل أنت الضعيف، أنت الهش، أنت بلا أخلاق، أنت قابل للاستعمار والخضوع والكسر. الشيطان الحقيقي هنا هو الفكرة: أن يكسر نفسك وصمودك وقدرتك على المقاومة، أن يصنع منك إنسانًا خاضعًا غير قابل للتحرك. هنا نذهب إلى الميتافيزيقيا في إخضاع الإنسان؛ يريد أن يسلب حريتك وقدرتك على القرار، وقدرتك على الرفض وعدم الخضوع، والسعي إلى الحرية. يريد أن يرسم عقلك الجمعي بأنك من الطبقات الدنيا، وأن لا سبيل لك إلا الخضوع، لأنه العدالة التي يراها، وتحمل الاحتلال لأنه قدرك، ولأن الخيانة طبعك فهذا مصيرك. ولذلك رسم وجوده هنا، بداية، على هذه السردية؛ فجعل الخيانة السبب في كل ما حدث، ولا مجال لأن تنتصر لأنك ضعيف من الداخل.
وهذا يخدم المشروع الصهيوني أكثر من ربطه بالتفوق والقوة، وهذا لبّ السردية الصهيونية. الخيانة تُسقط الخصم أخلاقيًا؛ وهذا أخطر من التفوق العسكري. هذا يعني أنه لا مجال لأن تنتصر. والاعتراف بالتفوق الاستخباري والعسكري له ثمن سياسي ونفسي بالنسبة له؛ فهو لا يبرر الإخفاقات ولا التجاوزات، ويضعه في موقف المحاكمة، ويضع الدعم الغربي في الميزان الذي ينظر إلى أفعاله وتصرفاته، كما بات يحدث اليوم. وهو لا يريد هذا؛ يريد أن يقول إنك أنت السبب، لا التفوق ولا الدعم ولا التخطيط ولا المكر.
هنا ينجح في تفكيك الروابط وزرع الشك، ويُحطّم الصمود، ويشكّ الأخ بأخيه، والمقاوم بحاضنته، ويوجّه ضربة قوية إلى بنية الإنسان الواقع تحت الاحتلال، فيُحدث فيها خللًا: مجتمع فاسد ضد ذاته وضحية مُدانة. هنا ننشغل عن محاسبة الصهيونية ونتجه إلى الخيانة. الفكرة قاتلة لأنها توجّه ضربتين في آنٍ واحد: تنزع الجرم عن الاحتلال، وتصبغ الضحية بالخيانة. هنا هو يريد أن يُبقيك في القاع، وتنشغل بنفسك وتنسى إنجازاتك، وتغرق في النقد والجلد الذاتي.
ولذلك يحرص منذ البداية، حتى قبل أن تكون هناك مستعمرة واحدة على أرض فلسطين، أن يجعل الجميع في موطن التهمة والتواطؤ والخيانة، وأنها السبب في وجوده واستمراره. وبدأ بهذا قديمًا مع اليهود العرب، مع إلياهو ساسون، المولود في سوريا عام 1902، وإلياهو إيلات. ومن هناك بدأ بنشر هذه الأفكار: فكل موقف خيانة، وكل فعل خيانة، وكل لقاء خيانة، وكل هدنة خيانة، وكل اتفاقية خيانة. هو يريد أن يُبقيك في القاع، مقيّدًا بلا سلاسل؛ لأنه يدرك أنك إن وثقت بنفسك وبمن معك، وبدأت تسعى للتحرر، فإنه لن يصمد.
وهذا يحمل بعضًا من الحقيقة، نعم، ولكنه ليس كل الحقيقة. الحقيقة أن العدو كان قويًا، وأن دعمه كان صلبًا وما زال، وأنه اعتمد على ظروف الضعف والتفكك والتنافس، والمال القادم من كل جهة في الغرب، ومن كل جماعة يهودية، وعلى الحربين العالميتين ليكون. وأنه منذ بدأ كان يتفوق على العرب في العدد والعدّة والتدريب والدعم والتخطيط والفكر. ومع ذلك خسر، وما زال يخسر، في مواقف كثيرة ومعارك كثيرة. وهذا ما لا يريدك أن تدركه. يريدك أن ترى كل فعل خيانة، وكل نصر هزيمة. يريد أن يهزمك من الداخل.
ولذلك يسعى لاغتيال المعنى، والقوة، والصمود، والشجاعة، والبذل، والتضحية، وإيمانك بنفسك؛ فيربط أي نصر بضعفك. وعندما يغتالك لأنه لا يستطيع أن يغتال ما تمثل، وعندما يصبح صوتك أكبر من كل أثر هناك، وعندما تصبح ميزانًا أخلاقيًا، وعندما تكون صورة حيّة تأبى الانكسار، وعندما تتحول إلى هوية وعنوان، يسعى لاغتيالك. وعندما تصبح سيرة لا قناعًا، وحضورًا لا يغيب، وشاهدًا يعرف أكثر مما يقول، عندها يسعى لاغتيالك.
عندما تصبح أنت الحدث وإيقاعه وصموده، يسعى لاغتيالك. هو يريد أن يغتال الوطن فيك، والمقاومة فيك، والحرية فيك، والدين فيك، فتصبح بلا عنوان. ومن هنا يحاول قتل سيرة وصمود كل الأبطال حولك، حتى لا يصنع معنى للبطولة، ولا طريقًا للشهادة تسير عليه الأجيال، وهي ترى الفرق بين نهاية بطل ونهاية غيره.




