المهندس محمد العمران الحواتمة
في يوم لا يشبه الايام وفي ذكرى ليست مجرد محطة في الزمن . يقف الاردن شامخاً في يوم الوفاء والبيعة . يوم تتكلم فيه الارض قبل البشر وتستيقظ فيه الذاكرة الوطنية بكل ما فيها من هيبة ودمعة وفخر . إنه يوم لا يختصر بكلمات ، لأنه ليس احتفالاً عابراً ، بل تجديد عهد عميق بين الوطن وتاريخه وبين القيادة والشعب وبين المجد الذي كان والمستقبل الذي يصنع .
في هذا اليوم العظيم ، نستذكر سيرة جلالة المغفور له باذن الله الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه ، لا بوصفه ملكاً حكم ، بل بوصفه قائداً استثنائياً صنع الاردن كما نعرفه اليوم ، الحسين لم يكن مجرد اسم في سجل الملوك ، بل كان روحاً تسكن الوطن ، وأباً للإردنيين ورجل دولة بحجم أمة ، كان يعرف أن القيادة ليست تاجاً على الرأس ، بل مسؤولية ثقيلة على القلب ، وان الوطن لا يبنى بالشعارات ، بل بالصبر والايمان والعمل والكرامة .
لقد كان الحسين طيب الله ثراه مشروع وطن كامل ، حمل الاردن في زمن كانت فيه المنطقة تموج بالاضطرابات ، وكانت التحديات اكبر من الامكانيات ، لكنه واجه المستحيل بثبات لا يعرف الانكسار ، بنى الدولة الحديثة ، ورسخ مؤسساتها ، وحمى استقرارها ، وجعل من الاردن وطناً حاضراً بقوة رغم شح الموارد وكثرة العواصف ، كان يؤمن أن قوة الدول لا تقاس بما تملك ، بل بما تصنعه من ارادة وشخصية وهوية ، ولذلك كان الاردن في عهده قصة صمود ومجد وكرامة .
الحسين لم يكن قائداً لمرحلة عادية ، بل كان رجلاً يكتب التاريخ بيده ، ويزرع في شعبه معنى الانتماء الحقيقي ، كان قريباً من الناس ، حاضراً في وجدانهم ، يعيش الوطن لا يحكمه فقط ويقود المسيرة لا يراقبها من بعيد ، رحل الجسد ، لكن البصمة بقيت وبقي الارث العظيم الذي لا يمحى وبقي الاردن الذي زرعه الحسين وطناً عصيا على السقوط .
وفي يوم الوفاء ، لا يقف الاردنيون عند حدود التذكر وحده ، بل يتقدمون نحو المعنى الاعمق ، نحو البيعة ، البيعة التي ليست طقساً ولا كلمات تقال ، بل عهد شعب يعرف ان قيادته ليست منصباً ، بل امتداد تاريخ ومصير وطن ، في هذا اليوم يجدد الاردنيون بيعتهم لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، الذي تولى سلطاته الدستورية ملكاً للاردن ، فكان الامتداد الطبيعي للمجد وحامل الراية التي لم تنكس يوماً .
لقد جاء الملك عبدالله الثاني في زمن اكثر صعوبة وتعقيداً ، عالم متغير واقليم مشتعل وازمات تتلاحق وضغوط لا تنتهي ومع ذلك بقي الاردن في عهده ثابتاً كالجبل ، قويا كالارادة . حاضراً كالدولة التي تعرف طريقها ، لم يكن عبدالله الثاني مجرد خليفة لملك عظيم ، بل كان قائد مرحلة اصعب ، حمل المسؤولية بثبات وقاد المسيرة بحكمة وحافظ على الاردن قلعة منيعة وسط العواصف .
في عهده ، بقي الاردن وطناً لا يساوم على ثوابته ودولة لا تنحني امام الضغوط وصوتاً عربياً حكيماً يحمل الموقف قبل الخطاب . قاد مسيرة التحديث وفتح افاق المستقبل ودافع عن قضايا الامة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ، لان الاردن في وجدانه ليس وطناً فقط ، بل رسالة ودور وموقف تاريخي لا يتغير .
والأردن اليوم ليس مجرد حدود على الخريطة ، بل قصة شعب صلب ، يعرف معنى الوفاء ويؤمن ان الوطن اغلى من كل شيء . شعب لا يفرط بكرامته ولا يتراجع عن عهده ولا يسمح للتاريخ ان يكون مجرد ذكرى ، في يوم الوفاء والبيعة تتجدد الحقيقة الكبرى ، ان القيادة والشعب قلب واحد وان الأردن لا يمضي الا مرفوع الراس ، ثابت الخطى ، صانعاً للمجد لا منتظراً له .
إن يوم الوفاء والبيعة هو رسالة أبدية تقول ان الأردن لا ينسى من بناه ولا يتخلى عن قائده ولا يبدل عهده مهما تغير الزمن ، هو يوم نكتب فيه من جديد أننا أبناء هذا الوطن ، على العهد باقون ، وللبيعة اوفياء وللأردن جنود حتى آخر النبض .
رحم الله الحسين الباني وحفظ الله الملك عبدالله الثاني قائد المسيرة وسيبقى الاردن دائماً وطناً يبايع المجد ويصنع المستقبل .




