شريط الأخبار
السفارة الأمريكية في الأردن تستأنف تقديم الخدمات لرعاياها الطاقة الدولية: مستعدون لسحب المزيد من احتياطات النفط المستشار الألماني لنتنياهو: عليكم إنهاء القتال في البنان الصفدي يلتقي نظيره الإماراتي في أبو ظبي فاتورة الوقود الأحفوري في أوروبا ترتفع 22 مليار يورو إذا اختلف النواب والأعيان على "معدل الضمان" .. ماذا يحدث؟ غوارديولا يشيد بفوز مانشستر سيتي الكبير على تشيلسي حقيقة دعم خالد النبوي لعلاج سامي عبدالحليم.. رد حاسم من الأسرة أطعمة تسبب ألم المعدة بعد الأكل.. قائمة بأبرزها! شهيد وجرحى برصاص الاحتلال الإسرائيلي في غزة وبيت لاهيا وزير الحرب الأميركي: الإيرانيون قد يبدأون إطلاق النار لكن هذا ليس من الحكمة ترامب: سيتم تدمير أي سفينة إيرانية تقترب من نطاق الحصار ما حقيقة إطلاق النار على منزل سام ألتمان الرئيس التنفيذي لـ أوبن إيه آي؟ ترامب: 34 سفينة عبرت مضيق هرمز الأحد ديمة طهبوب لجعفر حسان : لدينا خبراء اكتواريين أردنيين الأمم المتحدة: لا حل عسكريا للصراع في الشرق الأوسط فاو: غلق مضيق هرمز قد يتحول إلى كارثة عالمية في الزراعة والغذاء الأردن.. الأطباء تحذر من بطالة متزايدة وفرص تخصص محدودة واشنطن تعرض على إيران وقف تخصيب اليورانيوم 20 عامًا الأردن.. الزراعة تعيد فتح تصدير البندورة

فرقة الحنونة… حين تتحوّل الدبكة إلى قوة ناعمة وجسر بين الشعوب

فرقة الحنونة… حين تتحوّل الدبكة إلى قوة ناعمة وجسر بين الشعوب
القلعة نيوز-د. هيفاء ابوغزالة

مشاهدة العرض الفني التراثي الذي قدّمته فرقة الحنونة للفنون الشعبية لم تكن مجرّد لحظة احتفاء بالتراث، بل كانت تجسيدًا حيًا لمعنى القوة الناعمة حين تتجلى في أنقى صورها. لم يكن المشهد دبكات متناسقة وأغانٍ موروثة فحسب، بل كان خطابًا وطنيًا عميقًا يُقال بلا كلمات مباشرة، ويصل إلى الوجدان قبل أن يُترجم إلى مواقف.

في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتعقّد فيه العلاقات الدولية، لم تعد أدوات التأثير محصورة في السياسة التقليدية أو القوة الصلبة. لقد أصبحت القوة الناعمة، القائمة على الثقافة والفنون والتعليم والإعلام والقيم الإنسانية، أحد أهم مرتكزات الحضور الوطني الفاعل. فهي التي تصنع الصورة، وتبني الانطباع، وتؤسس لعلاقات مستدامة تقوم على الاحترام المتبادل لا على موازين القوة وحدها.

الثقافة الشعبية تحديدًا تمثل العمق الأصيل لهذه القوة. فهي ليست ترفًا ولا نشاطًا هامشيًا، بل وعاء الهوية وذاكرة المكان. وعندما تتحرك على المسرح، فإنها لا تقدم عرضًا فنيًا فحسب، بل تعيد صياغة السردية الوطنية بلغة بسيطة قادرة على الوصول إلى الجميع. في الأغنية الشعبية تختبئ حكاية الأرض، وفي الزي التقليدي تسكن جغرافيا الوطن، وفي الإيقاع تتردد نبضات التاريخ.

إن استخدام الثقافة كأداة دبلوماسية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية. فالدبلوماسية الثقافية قادرة على فتح الأبواب التي قد تعجز السياسة عن طرقها. هي التي تخلق جسور التواصل بين الشعوب بعيدًا عن التوترات العابرة، وتمنح المجتمعات فرصة للتعارف الإنساني العميق. حين تتبادل الدول فرقها الفنية، ومعارضها، وأدبها، وتراثها، فإنها لا تعرض منتجات ثقافية فقط، بل تعرض رؤيتها للعالم، وقيمها، وروحها الحضارية.

القوة الناعمة تُقنع ولا تُرغم. تُلهم ولا تفرض. تبني الثقة ببطء لكنها ترسّخها بعمق. وهي في زمن الاستقطابات الحادة والانقسامات، تشكّل صمام أمان أخلاقيًا وإنسانيًا، لأنها تستند إلى المشتركات الإنسانية الكبرى. إن صورة وطن تُنقل عبر عرض فني متقن، أو مهرجان ثقافي جامع، أو مبادرة فكرية رصينة، قد تترك أثرًا يتجاوز مئات البيانات السياسية.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الثقافة الشعبية والفنون والتراث يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من السياسات الوطنية. ليس فقط من باب الحفاظ على الهوية، بل من باب تعزيز الحضور الدولي، ودعم الاقتصاد الثقافي، وتمكين الشباب، وترسيخ الانتماء. فحين يشعر المواطن أن تراثه مُقدّر ومحمي ومُقدَّم بصورة مشرّفة، تتعزز ثقته بوطنه، وتتعمق علاقته بهويته.

كما أن دمج القوة الناعمة في الاستراتيجيات الوطنية يعيد الاعتبار للثقافة كركيزة تنموية. فهي تفتح آفاق الصناعات الإبداعية، وتدعم السياحة الثقافية، وتخلق فرص عمل، وتُعيد تعريف مفهوم التنمية ليصبح أكثر شمولًا وإنسانية. التنمية ليست أرقامًا ومؤشرات فقط، بل هي أيضًا شعور بالفخر، ووعي بالانتماء، وقدرة على سرد الذات بثقة أمام العالم.

إن ما شاهدناه في العرض الفني لم يكن مجرد إحياء لتراث، بل إعلانًا واضحًا أن في ثقافتنا طاقة كامنة يمكن أن تتحول إلى أداة تأثير راقية. وإذا ما أُحسن توظيف هذه الطاقة ضمن رؤية وطنية شاملة، فإنها قادرة على أن تكون جسرًا للتواصل بين الشعوب، ومنصة للحوار الحضاري، ومصدرًا لإلهام الأجيال القادمة.

القوة الناعمة ليست بديلاً عن الأدوات الأخرى، لكنها روحها ومعناها. هي التي تمنح السياسة بُعدها الإنساني، وتمنح الاقتصاد بُعده الثقافي، وتمنح الوطن صوته الخاص في عالم مزدحم بالأصوات. وحين نُدرك قيمتها ونعمل على تطويرها، فإننا لا نحافظ على تراثنا فقط، بل نصنع مستقبلًا أكثر انفتاحًا، وأكثر توازنًا، وأكثر قدرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب.