"حين تشتعل جبهات الحرب… الاقتصاد العربي أول الضحايا"
د: ابراهيم النقرش
في كل حرب تُرفع فيها الشعارات الكبرى....
هناك دائمًا سؤال صغير يتسلل بهدوء إلى وعي الناس:
من يدفع الثمن؟ ومن يجني الأرباح؟
فالتصعيد المستمر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءته فقط باعتباره مواجهة عسكرية عابرة …
بل هو مشهد مركّب من صراع نفوذ وإعادة تشكيل لموازين القوة في منطقة تُعدّ قلب الاقتصاد الطاقي العالمي.
الخطاب المعلن يدور حول الأمن والردع ومنع التهديدات…لكن القراءة الاقتصادية تكشف طبقة أعمق من المصالح.
فكل تصعيد يعني إنفاقًا عسكريًا أكبر… وصفقات تسليح بمليارات الدولارات… وارتفاعًا في أسهم الصناعات الدفاعية.
في منطق السوق، التوتر يخلق طلبًا…والطلب يخلق أرباحًا… كذلك تمنح الأزمات الخارجية بعض الحكومات فرصة لتأجيل أزماتها الداخلية أو إعادة ترتيب أولوياتها السياسية تحت عنوان "الأمن القومي".
غير أن النقاش الدائر في المنطقة يتجاوز مسألة الأرباح الظرفية إلى تساؤل استراتيجي أوسع:
هل يؤدي استنزاف أي قوة إقليمية منافسة إلى تكريس واقع تصبح فيه إسرائيل القوة الأكثر تفوقًا عسكريًا وتقنيًا…
بما يسمح لها بفرض معادلات جديدة في الإقليم؟ وهل يخدم ذلك رؤية أمريكية تقوم على ضمان تفوق حليف رئيسي يتولى دورًا متقدمًا في حماية المصالح الغربية…
وفي مقدمتها أمن الطاقة وخطوط الإمداد؟ هذه القراءة، سواء اتفقنا معها كليًا أو جزئيًا، تعكس قلقًا عربيًا متزايدًا من اختلال ميزان القوى وتداعياته طويلة المدى.
لكن إذا انتقلنا إلى زاوية الاقتصاد السياسي، سنجد أن العرب هم الأكثر تعرضًا للخسائر المباشرة، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا… وخصوصًا دول الخليج النفطية.
فاقتصادات الخليج، رغم ما حققته من تنويع نسبي خلال السنوات الأخيرة، ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار أسواق الطاقة وحركة الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
أي توتر عسكري في هذه المنطقة الحساسة يرفع تكاليف التأمين على الشحن، ويزيد مخاطر النقل، ويخلق تقلبات حادة في أسعار النفط.
قد يبدو ارتفاع أسعار النفط مكسبًا ظاهريًا للدول المصدّرة… لكنه مكسب هشّ ومؤقت.
فالتقلبات الحادة لا تخدم التخطيط طويل الأمد، وتربك الموازنات العامة، وتؤثر في برامج الاستثمار والتنمية.
كما أن ارتفاع الأسعار عالميًا قد يسرّع جهود الدول الصناعية للتحول نحو بدائل الطاقة، ما يعني على المدى البعيد تراجعًا في الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
من منظور اقتصادي بحت، الاستقرار أكثر ربحًا من القفزات المفاجئة.
إلى جانب ذلك، تتحمل دول الخليج أعباءً عسكرية متزايدة لتعزيز منظومات الدفاع والحماية… وهو إنفاق يُقتطع من موارد كان يمكن توجيهها للتعليم أو البنية التحتية أو تنويع الاقتصاد.
كما أن بيئة التوتر المستمر تؤثر في ثقة المستثمرين الأجانب، وترفع من علاوة المخاطر على الاستثمارات في المنطقة، ما يزيد كلفة الاقتراض ويضغط على الأسواق المالية.
أما سياسيًا، فإن استمرار الصراع يضع الدول العربية في موقع المناورة الدائمة بين تحالفات متشابكة وضغوط متعارضة… ما يحدّ أحيانًا من استقلالية القرار الاستراتيجي.
وعسكريًا، فإن أي مواجهة واسعة قد تجعل أراضي بعض الدول ساحات مباشرة أو غير مباشرة للصراع، بما يحمله ذلك من مخاطر على البنية التحتية الحيوية وقطاع الطاقة تحديدًا.
في المحصلة، قد تستفيد بعض الصناعات وبعض القوى من استمرار التوتر، وقد ترى أطراف معينة في إضعاف خصومها مكسبًا استراتيجيًا، لكن الكلفة الأوسع تتحملها شعوب المنطقة واقتصاداتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط من يربح اليوم، بل من سيملك القدرة على الصمود غدًا في ظل اقتصاد عالمي سريع التحول.
هل ما نشهده إذن صراع وجود… أم إدارة دقيقة لصراع نفوذ طويل الأمد؟
وهل يدفع العرب ثمن معادلات دولية أكبر منهم حجمًا وتأثيرًا؟
ربما لا تملك الشعوب قرار إشعال الجبهات، لكنها تملك حق السؤال… وحق المطالبة برؤية اقتصادية تحمي استقرارها قبل أي اعتبار آخر.
ففي عالم تحكمه المصالح، يبقى الاستقرار هو الثروة الحقيقية، وكل ما عداه أرباح عابرة على هامش نارٍ مشتعلة.




