القلعة نيوز:
في زمن تدفق المعلومات الهائل دون قيود، لم يعد التحليل السياسي حكرا على المختصين وأصحاب الخبرة، بل بات مساحة مفتوحة لكل (من هب ودب) ولكل من يمتلك منبرا أو حسابا على مواقع التواصل الإجتماعي أو حتى من لديه رأيا عابرا او (سولافة). ومع هذا الاتساع، ظهرت ظاهرة مقلقة تتمثل في تضخم عدد المحللين السياسيين و (الخراطين)، مقابل تراجع واضح في عمق الطرح ودقته، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تضليل وعي المجتمعات واتجاهات الرأي العام.
التحليل السياسي ليس اجتهادا عاطفيا ولا انطباعا سريعا، بل هو علمٌ قائم على القراءة الدقيقة، وفهم السياقات، وخبرة عملية في العمل السياسي وربط المعطيات بالنتائج. غير أن ما نشهده اليوم هو سيلٌ و (فيض) من التحليلات المرتجلة، المبنية على آراء شخصية التي تُبنى على معلومات ناقصة او مغلوطة، أو تُصاغ لخدمة أجندات ضيقة، أو تُطرح بدافع السبق والانتشار لا بدافع الحقيقة إنما لجمع (اللايكات والسبسكرايبات) وهنا تكمن الخطورة؛ فالهفوة او (الخرط) في هذا المجال لا يمر مرور الكرام، بل تُترجم إلى قناعات لدى الجمهور، وقد تتحول إلى مواقف جماعية يصعب تصحيحها، وبالتالي تشوش وعي مجتمع بأكمله.
في الحالة الأردنية، تتضاعف حساسية هذا الموضوع. فالأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي، يعيش في محيط إقليمي متقلب وملتهب، وتتشابك فيه القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل معقد. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي تحليل غير دقيق بمثابة شرارة قد تثير القلق والزعزعة، أو تدعم الإشاعة، أو تُضعف الثقة بين المواطن ومؤسساته.
لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ في تسريع انتشار هذه الظاهرة، حيث يُعاد تداول التحليلات غير المهنية بشكل واسع، دون تمحيص أو تدقيق، مما يمنحها زخما يفوق حجمها الحقيقي. ومع تكرار الرسائل الضمنية ذاتها، قد تتشكل صورة ذهنية مشوهة لدى المتلقي، قد تدفعه لاتخاذ مواقف مبنية على الوهم لا على الحقيقة.
والأكثر خطورة، أن بعض هذه التحليلات لا تقف عند حدود الخطأ غير المقصود، بل تتجاوز إلى التهويل أو التضليل، مما يخلق حالة من الإرباك المجتمعي، ويؤثر على المزاج العام، بل وقد ينعكس على الاستقرار النفسي والاجتماعي للأفراد. وهنا يتحول المحلل من ناقل للمعرفة إلى مسبب للفوضى.
إن حماية الوعي الجمعي لم تعد مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل الإعلام، والمحللين، والجمهور نفسه. فكما أن على المحلل أن يتحلى بالمهنية والدقة، على المتلقي أن يكون واعيا، ناقدا، لا يتلقف كل ما يُسمع دون تمحيص.
في الأردن، الذي يقوم بنيانه على الوعي والاعتدال، تبقى الكلمة مسؤولية، والتحليل أمانة، والرأي موقفا له تبعاته وآثاره. وما أحوجنا اليوم إلى إعادة الاعتبار للتحليل الرصين، الذي يُنير العقول بدل أن يُربكها، ويعزز الثقة بدل أن يهزها.
فليس كل من تحدث في السياسة محللًا، ولا كل من امتلك منصة أصبح (ابو العريف) وبين الكثرة والوعي، تبقى الحقيقة بحاجة لمن يحرسها بعلم ونزاهة.




