القلعة نيوز
..........
تابعت كما تابع غيري، ما طرحه وزير البلديات بشأن مهام المجالس البلدية القادمة، ولا سيما تركيزه على دورها في إعداد الاستراتيجيات والخطط قصيرة ومتوسطة المدى، ضمن رؤية شمولية تتناول التخطيط العمراني، واستعمالات الأراضي، وتنظيم النقل والمرور، وتحديد مناطق الاستثمار والنشاط الاقتصادي، وربط ذلك بالأحياء ومكوناتها الاجتماعية عبر لجان الأحياء....
ويبدو هذا التوجه، في ظاهره، متسقًا مع مفاهيم الإدارة الحديثة والحكم المحلي القائم على التخطيط والتنمية المستدامة، حيث يُفترض بالمجالس البلدية أن تنتقل من إدارة التفاصيل اليومية إلى مستوى أعلى من صياغة السياسات العامة وتحديد الأولويات التنموية. غير أن هذا الطرح، عند مقارنته بآليات تشكيل هذه المجالس وبنيتها القانونية، يكشف عن فجوة واضحة بين الإطار النظري والواقع العملي.
إذ لا يمكن الحديث عن مجالس ذات طابع استراتيجي، في الوقت الذي ما تزال فيه أدوات الإفراز والانتخاب قائمة على الأسس التقليدية ذاتها، والتي تُنتج في الغالب مجالس يغلب عليها الطابع الخدمي والاعتبارات الاجتماعية والآنية، بعيدًا عن التكوين البرامجي القادر على إنتاج رؤية تنموية متكاملة.
وتكمن الإشكالية هنا في أن الخلل لا يرتبط فقط بتوزيع الصلاحيات داخل المؤسسة، بل بمنظومة إنتاجها من الأساس. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من إعادة تعريف المهام داخل المجالس، وإنما من إعادة النظر في آليات تشكيلها وطريقة الوصول إليها. فاستمرار أدوات الإنتاج على حالها يعني بالضرورة إعادة إنتاج ذات النمط، وإن اختلفت المسميات وتوسعت الاختصاصات.
وإذا اقتنعنا بأن قوى الدفع الحقيقية تتمثل في المؤسسات المنظمة والمؤطرة القادرة على إنتاج البرامج والرؤى القابلة للتنفيذ، سواء كانت أحزابًا سياسية فاعلة أو مؤسسات مجتمع مدني منظمة تمتلك أدوات التخطيط والتحليل والبيانات والمتابعة، فإننا نكون أمام انتقال نوعي في فهم طبيعة الإدارة المحلية. فالإدارة الاستراتيجية لا تقوم على التمثيل التقليدي وحده، بل على منظومات قادرة على تحويل الرؤية إلى خطط تنفيذية قابلة للقياس والتقييم، بما يضمن الانتقال من مستوى الطرح العام إلى مستوى الإنجاز المؤسسي الفعلي.
ومن هذا المنطلق، فإن التخوف الحقيقي لا يقتصر على محدودية المخرجات، بل يمتد إلى إمكانية إعادة إنتاج الإشكال ذاته خلال دورة زمنية قصيرة، بما قد يفرض لاحقًا إعادة تعديل التشريعات أو إعادة هيكلة المجالس من جديد، نتيجة بقاء جذور المشكلة دون معالجة. فالمجلس، حتى مع منحه أدوارًا استراتيجية، سيظل مقيدًا بغياب الأدوات التنفيذية والبيئة المؤسسية الداعمة لعمله.
إن مسار الإصلاح السياسي الذي يقوده جلالة الملك يرتكز على تعزيز النهج المؤسسي والبرامجي، والانتقال من الإدارة التقليدية إلى إدارة قائمة على التخطيط والنتائج. وعليه، فإن أي تحديث لا يطال بنية الإنتاج الفعلي للمجالس سيبقى إصلاحًا جزئيًا، يعيد إنتاج التحديات ذاتها بصيغ مختلفة.
وخلاصة القول إن الجدية في الإصلاح لا تتحقق من خلال توسيع الصلاحيات فقط، بل من خلال إعادة بناء منظومة إنتاج المجالس من جذورها. وإذا كان الهدف هو ترسيخ إدارة محلية قادرة على التخطيط وصناعة القرار التنموي، فإن القاعدة تبقى واضحة ومباشرة: أعطِ الخبز لخبازه، أي تمكين الجهات الأكثر كفاءة وتنظيمًا من لعب دورها الحقيقي في صناعة القرار، لا الاكتفاء بدور شكلي في إدارته.
د. صالح العرود..




