القلعة نيوز- محرر الشؤون المحلية - مخطئ من يظن أن استقرار الدول يُبنى على البعد الأمني والعسكري وحده، رغم محوريته وأهميته الفائقة.
إنّ الاستقرار الحقيقي والدائم هو نتاج عقد اجتماعي متين يرتكز على العدالة، والشفافية، وسيادة القانون وإذا كان الوعي الشعبي قد شكّل، بالتلاحم مع الجيش والأجهزة الأمنية، درعاً حصيناً للأردن في وجه رياح "الربيع العربي" العاتية رغم وقوعه في محيط ملتهب، فإن هذا الوعي يمثل رصيداً استراتيجياً لا يجوز استنزافه أو الرهان على ديمومته إذا ما تُركت البيئة الداخلية عرضة لأمراض إدارية واقتصادية مزمنة.
إنّ المواطن الأردني الذي أبدى وعياً سياسياً استثنائياً في حماية حدود وطنه وهويته، يواجه اليوم ضغوطاً معيشية غير مسبوقة فالترهل الإداري، وانتشار المحسوبية (الواسطة)، وشعور قطاعات واسعة باقتصار بعض الوظائف العليا والفرص النوعية على فئة محدودة، يخلق حالة من "الاغتراب الممنهج" لدى الشباب.
حينما تتزامن هذه المظاهر مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات حرجة، فإن الخطر لا يعود مجرد أزمة اقتصادية، بل يتحول إلى تهديد مباشر لمفهوم "المواطنة والانتماء".
إنّ اليد التي امتدت لدعم الجيش والأمن للدفاع عن الوطن ضد التهديدات الخارجية، هي يد تطالب اليوم بالعدالة في الداخل. والخطورة تكمن في أن استمرار شعور الغالبية بالظلم التنموي قد يحوّل دفة هذا الوعي من "الاحتمال والصبر" إلى "الاحتقان والانتفاض" ضد مظاهر الفساد، مدفوعاً بـ "رياح المحاسبة" التي تجتاح الإقليم والعالم، حيث لم يعد المواطن بمعزل عما يدور حوله.
إنّ الاستقرار لا يُحفظ بالإنكار أو بالتطمين الإنشائي، بل بالمبادرة والاستباقية. ومن باب الحرص الأكيد على مؤسسة الدولة واستدامتها، فإن صانع القرار مطالب اليوم بتبني نهج جراحي حاسم يتجاوز الشعارات التقليدية إلى إجراءات ملموسة على الأرض:
1.المحاسبة العلنية والناجزة: كسر الحصانة المفترضة عن أي شخصية تدور حولها شبهات فساد مؤكدة، بغض النظر عن موقعها أو ثقلها الاجتماعي. إن تقديم الفاسدين للمحاكمة العادلة هو خط الدفاع الأول عن شرعية المؤسسات.
2.استرداد الأموال والمقدرات: لا يكفي العقاب القضائي بل يجب تفعيل أدوات قانونية صارمة لمصادرة الأموال والأصول الناتجة عن الكسب غير المشروع، وإعادتها إلى خزينة الدولة لتوظف في مشاريع تنموية تخفف من حدة الفقر والبطالة.
3.تطهير وتحديث الجهاز الإداري: إنهاء ظاهرة "توريث الوظائف" والمحاصصة في المواقع القيادية، واعتماد معايير الكفاءة والجدارة المطلقة (الاستحقاق القائم على المؤهلات). يجب إعادة هيبة الوظيفة العامة باعتبارها تكليفاً لخدمة الشعب لا تشريفاً لفئة بعينها.
4.الشفافية في كشف الحقائق: إشراك الرأي العام في مسار مكافحة الفساد. فالغموض يغذي الإشاعة ويزيد من فجوة الثقة بين المواطن والدولة، بينما الوضوح يبني جسور الثقة مجدداً.
إن تحصين الأردن في مرحلة ما بعد الأزمات الإقليمية لا يقل أهمية عن حمايته في ذروتها. إن صرخة الحريصين اليوم على وطنهم ليست دعوة للفوضى، بل هي نداء إنقاذ واستدراك؛ فالشعوب قد تصبر على شُح الموارد وضيق العيش، لكنها لا تصبر على غياب العدالة والاستعلاء بالفساد.
إنّ المبادرة الملكية ومؤسسات الدولة لفتح كافة ملفات الفساد ومحاسبة مرتكبيها وتفكيك شبكات المصالح الضيقة، هي الخطوة التاريخية المطلوب تعزيزها الآن لضمان ألا تذهب تضحيات الشعب والجيش سدى، ولكي يظل الأردن واحة أمنٍ واستقرارٍ حقيقي، محصناً من الداخل كما هو محميٌّ من الخارج. والصادق من صدق اهله




