مع إشراقة هلال شهر الخير، تستيقظ في الروح معانٍ قد تغفو بقية العام، وتشرق في القلوب رغبة صادقة في التغيير، كأن السماء تفتح أبوابها لتقول لنا: هذه فرصتكم لتعودوا أنقى، وأقرب، وأصدق.
إنه الشهر الذي تتبدّل فيه تفاصيل الحياة؛ فالمآذن تعلو بنداء الرحمة، والبيوت تزدحم بعبق الدعاء، والموائد تمتدّ لا لتملأ البطون فحسب، بل لتجمع القلوب على المحبة. في هذا الشهر تتعلّم الأرواح الصبر، وتتمرّن النفوس على العطاء، وتكتشف الأسر معنى الاجتماع حول لحظة إفطار تتجاوز الطعام إلى دفء الانتماء.
شهر الخير ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل مدرسة أخلاقية متكاملة؛ فيه نراجع أنفسنا، ونحاسب تقصيرنا، ونمدّ أيدينا للآخرين بقلوب بيضاء. هو موسم الصدقات، وصلة الأرحام، وغرس البسمة في وجوه المحتاجين. كم من بابٍ يُفتح، وكم من دمعةٍ تُمسح، وكم من خصومةٍ تنتهي حين يعلو صوت التسامح على ضجيج الخلاف.
في هذا الشهر تتجلى قيمة التكافل الاجتماعي بوضوح؛ فالغني يشعر بوجع الفقير، والقادر يهب من قوته لمن ضاقت به السبل. تتعانق الأيادي في حملات الخير، وتنتعش مبادرات الشباب لخدمة مجتمعهم، فيتحول العطاء إلى ثقافة يومية لا مناسبة عابرة.
وشهر الخير دعوة صريحة إلى ترتيب الأولويات؛ إلى أن نُعيد للقرآن مكانته في بيوتنا، وللدعاء حضوره في ليالينا، وللنية الصادقة موقعها في أعمالنا. هو فرصة للبدء من جديد، صفحة بيضاء نخطّ عليها عهودًا بالاستقامة، ونغلق فيها أبواب العادات التي أثقلت أرواحنا.
فلنجعل من حلول شهر الخير نقطة تحوّل حقيقية، لا مجرد طقس موسمي عابر. لنحمل أثره معنا بعد انقضائه؛ خلقًا ألين، ولسانًا أطيب، ويدًا أسبق إلى الخير. فالسعيد من اغتنم أيامه ولياليه، وجعل منه سلّمًا يرتقي به إلى درجات أسمى من الإيمان والإنسانية.
شهر الخير أقبل… فلنستقبله بقلوبٍ تشتاق إلى النور، وأعمالٍ تليق بعظيم عطاياه.




