حين يضعف الوعي تبدأ النهايات...
القلعة نيوز -
يجب أن تدرك دورك الحضاري والإنساني، وأن أثرك لا يزول ولا يفنى، بل يساهم في قيام أمة أو اندثارها.
هناك مجتمعات واعية وأخرى غير واعية، وكيف يصبح المجتمع مجتمعًا واعيًا ويدرك الأثر الذي يتسبب به، وكيف أن هذا الأثر سيؤدي إلى زوال أمته وحضارته. نعم، نصل إلى مرحلة يضعف فيها الإدراك، ويخبو فيها صوت العقل، ويرتفع صوت الشهوات والطمع والرغبة الفردية، أو السعي لتحقيق مصلحة جماعة، مثل الأمويين أو العباسيين أو الأتراك على حساب غيرهم من المجتمع، مما يؤدي إلى اقتراب النهاية. تدرك بعدها أن النهاية اقتربت، هل هو توقّع أم تنبؤ أم هو تحليل مبني على معطيات وعلم، كما فعل ابن خلدون؟ إذًا هو استقراء لنمط تاريخي حدث وسيحدث، ما دامت ظروف الحدث تتكرر.
من السهل أن تلوم التاريخ أو الواقع أو إنسانًا أو حكام الأمس أو اليوم، ومن السهل أن تتنصل من المسؤولية، وكأن الظرف الذي وقع عليك، وكل الحدث الحضاري أو التاريخي، أنت لا علاقة لك به، أو بمعنى آخر، الظلم الذي نعيشه اليوم وعاشته أمم قبلنا هو أحداث منفصلة عن الزمان والمكان والحضارة.
ولكن الحقيقة أن فعلك وانفعالك له أثر حاضر وآخر مستقبلي، وسيؤثر اليوم وعلى أجيال لاحقة، إن فهمت الدور الحضاري والتاريخي، واستوعبت ما جاءت به السنن الربانية وسعيت لتطبيقها على نفسك ومحيطك، قد يتغير الواقع اليوم، وقد يتغير الواقع للأجيال اللاحقة، تمامًا مثلما أنت اليوم يقع عليك الوزر الحضاري الذي قامت به أجيال قبلك. من يأتي اليوم ويقول: كنّا وكنّا وكنّا، هو محق، فقد كنّا نحكم العالم والعلم والدول والممرات المائية والصناعة والمال والجغرافيا والإنسان، ومن يأتي اليوم ويقول: نحن ندفع ثمن أخطاء لم نرتكبها، ولكن ارتكبها السابقون، هو أيضًا محق، ولكن كيف؟؟
فعندما ننخرط في حدث تاريخي معين، في الحقيقة نسعى وراء هدفين؛ الهدف الأول هو محاولة الوقوف على الحدث من حيث أسبابه ومآلاته، وأيضًا محاولة فهم الحالة أو النمطية للخروج بصورة ما لفهم الواقع والأثر والمآلات لما نقوم به اليوم. فالحدث التاريخي متعلق بالماضي من حيث الظروف التي أدت له، ولكنه في الحقيقة الأثر الذي ترتب على هذه الأحداث ونعيشه اليوم. هنا يتضح كم للفعل والانفعال وأفعال المجتمع أثر ودور يترتب عليه دورة حضارية صاعدة أو هابطة، وبالتالي دورة تاريخية أيضًا.
نعم، تتحكم الظروف والسنن والمجتمعات والإنسان بسرعة الحدث ودورته التاريخية، ولكن لا يغيب الأثر القائم لهذه الحضارات والأمم، فهناك سنن وهنا فعل وهناك انفعال، وكيف أن الأخطاء التي تقوم بها الأمم وأفرادها تتجمع وتكبر، ثم تكبر حتى تكون سببًا في زوال هذه الحضارة، وانتقال الدورة الحضارية إلى طرف جديد، في سياق الدورة التاريخية الخاضعة للسنن الربانية والمنفعلة لها وبها.
الحضارات لا تنتقل أجزاء، بل تنتقل ككل ووحدة واحدة. نعم، عندما تنتقل الحضارة تنتقل بكليتها وجميع متعلقاتها، وتترك خلفها مجتمعًا يفتقد كل شيء، من الأخلاق التي تربط المجتمع وتعمل على توحيده، إلى النظام الذي يساهم في تجميع هذه الجهود وتوظيفها معًا، إلى الهدف والوحدة والقيادة الواعية والناضجة التي تدرك المآلات والأبعاد. وخذ ما حدث في العراق القديمة ومصر القديمة والأنباط والفرس وروما واليونان، عندها تدرك ما نقوله هنا، وكيف تصبح مجتمعات عرفت الكتابة والعلوم والاختراعات والإنجازات العظيمة فجأة على هامش التاريخ، بل تضيع حتى لغتها وكتابتها، وتصبح كأنها مفصولة تمامًا عنها، وكأن هنا إنسانًا جديدًا تمامًا.
إن الترف والانحلال الأخلاقي، وضعف الانتماء وتراجع الفضيلة، وتغلغل البيروقراطية والفساد، حسب إدوارد جيبون، يؤدي إلى السقوط. أم حسب نظرية أرنولد توينبي، فالتحدي والاستجابة لتحديات جديدة، وعندما تصبح النخب الحاكمة منغلقة ومنفصلة عن الواقع والعامة، يحدث السقوط. أو حسب ابن خلدون، فإن الفساد والتفكك الاجتماعي، والعوامل التي تضرب الوحدة الاجتماعية، مثل العنصرية والتعصب الديني وغيره، والضعف الاقتصادي، ووجود عدو خارجي، والجمود الثقافي، والتدهور البيئي، تحديات البيئة من ماء وطقس وغيره، والترف، كل ذلك يؤدي إلى السقوط.
هل ترى الواقع اليوم، كيف ينغلق على بعض القادة في العالم وتضيق أفكارهم وحدودهم عن فهم الواقعية السياسية والدورة الحضارية، مقارنة بأشخاص في العالم الغربي كانوا دهاقنة في المكر والسياسة والاستعانة بالمؤسسات البحثية في الجامعات وغيرها، وكانوا هم من يصنع الحدث ويتحكم به، وكيف يغرق هؤلاء اليوم في مستنقعات الواقع السياسي، بل ويساهمون في صناعة الأزمات وانتشارها؟ وهنا وهناك يقف مكوّن واحد، هو الإنسان.
إبراهيم أبو حويله




