ولد الهدى...
الحلقة التاسعة والعشرون...
القلعة نيوز -
سلسلة من إضاءات في حياة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، تسعى لإضاءة جوانب مختلفة من حياته، وتهدف إلى إحداث نقلة من الفهم النظري إلى التطبيق العملي، الذي قد يخرجنا ويُخرج الأمة من هذا الوضع الذي نعيش فيه..
الصراع الفكري وجيل الصحابة...
يُعاني فئة من المثقفين في العالم العربي من عقد نقص مختلفة، ولذلك تميل إلى تبني كل ما هو غربي بدون تمحيص أو تنميط أو تحقق، ونغرق في جزئيات لا تخدم الأمة، بل تسعى لإغراق الأمة، وهنا لدينا فكر ولدينا طروحات، ولكنها لا تخدم مشروعًا متماسكًا يسعى لبناء أمة، وحتى نخرج من هذه الحالة وهذا الصراع المحلي الزائف، لا بد من العودة إلى الفكرة الأصلية، وهي النبع الديني الصافي، وإنتاج أفكار مستقلة نابعة من ديننا وثقافتنا وتاريخنا، والتركيز على الوعي الكبير بأهداف الهيمنة الغربية وسبل مقاومتها وإضعافها.
ما فعله الرسول، صلوات ربي عليه، هو صناعة متكاملة للإنسان الذي استوعب المنهج وتفاصيله وتطبيقاته، ولذلك رفض هذا الإنسان لاحقا الذوبان والانصهار في البيئات والحضارات التي تم التعامل معها والاحتكاك بها وقصة ربعي ابن عامر خير دليل، بل إن هذه الحضارات هي التي سعت إلى الاندماج والاتساق مع هذه الدعوة، وهنا تظهر قوة بناء هذا الإنسان دينيًا وعقديًا وفكريًا وحضاريًا. تتغير صور الهيمنة من القوي على الضعيف، وتتعدل لتتناسب مع الوضع القائم، فمن صورة الاستعمار العسكري المعتمد على القوة والسيطرة المباشرة، إلى صور الهيمنة السياسية والثقافية، ومن صور هذه الهيمنة خلق صراع فكري أو حضاري أو ثقافي أو طائفي بين عناصر المجتمع الواحد؛ لتسهل السيطرة عليه.
واستغلال فئة ضد فئة أخرى، فالعراق مثلًا قبل الاستعمار لم تكن فتنة سني شيعي بهذه الصورة. لذلك قال مالك: "عندما يغادر الاستعمار يترك في الأذهان أفكاره"، وهنا تطفو على السطح مشكلة الأفكار والصراع الفكري، الذي تستغله الهيمنة الاستعمارية الغربية في فرض إرادتها وسيطرتها على الآخر، وهنا نرى أن الآخر ليس المسلمين فقط، وإنما مجتمعات وأعراق تتعدد أصولها ومنابعها، فآسيا بتلونها وأجناسها، وأوروبا الشرقية، ولذلك تتعدد صور الصراع، ونعود لمالك: "الصراع لا يكون دائمًا بين الحق والباطل، بل غالبًا بين فكرتين زائفتين: واحدة مستوردة وواحدة متحجرة".
والفكرة الزائفة هنا قد تكون قومية أو طائفية، وهي تظهر مقاومة للهيمنة من جهة، ولكنها في الحقيقة تخدم هذه الهيمنة، مثل الطوائف والقوميات، فليس من المصلحة أن ينقسم المسلمون إلى سنة وشيعة، أو عرب وأكراد وأمازيغ، وهكذا ندخل في صراع بين منظومات قيمية وثقافية، بدلًا من أن تكون هذه مجرد جدالات بين آراء مختلفة، او تدافع إيجابي عندما تضعف فئة من المسلمين تأتي أخرى لتحل محلها في خدمة مشروع الأمة.
وهذه المشكلات غالبًا ما تُدار وتُفعل من قبل مراكز الهيمنة الغربية، ولذلك تسعى هذه المراكز لزرع أفكار جديدة مضللة، فتشعل صراعًا بين القيم والدين، وبين فئة تتبنى طروحات الغرب وتسعى لفرضها، وأخرى ترفضها، أو تسعى لتفعيل النقاط الساخنة بين الدين والعلم، أو الدين والأسرة والحرية الشخصية. وهنا تجد أننا ما زلنا ندخل في صراعات جانبية تبعدنا عن الأصل والمشروع الأممي، فمن تخدم هذه المشاريع؟
أو تفرض في أحيان أخرة لغات أجنبية بحيث تفصل فئات معينة عن مجتمعها وثقافتها ودينها، وهنا يصبح التجديد والحداثة فكرًا غربيًا، والتقاليد والعادات والأخلاق دينًا وتخلفًا، وهنا دخلنا في فوضى فكرية واجتماعية وإنسانية، وأصبحت للهيمنة الغربية يد محركة قادرة على التأثير على فئات، أو إحداث صراعات وانقسامات بين المجتمع الواحد، وعند الانتباه لهذه الحركات التي تقوم بها الهيمنة الغربية، تجد أن أساساتها متقاربة، ومن السهل تنميطها، كما يقول المسيري، وفهمها، فهي تتقارب في الأفكار الأساسية والرؤى، ولكن تختلف في لغة الخطاب والطرق.
وهنا، وحسب ما رشح من الوثائق المصرح بها من الحكومة الأمريكية، كان للأمريكيين وغيرهم يد في تأسيس داعش والحركات الإسلامية الجهادية، ويبدو هذا جليًا من آثار ونتائج هذه الجماعات، فهي كانت تخدم الهيمنة الغربية بصورة أو بأخرى، وهكذا تسعى الهيمنة الغربية إلى تشويه النخب الإسلامية والفكر الإسلامي بشكل عام، عبر زرع هذه الجماعات المتطرفة، التي تسعى لتشويه دين الأمة وأخلاقها، وضرب مكوناتها بعضها ببعض، وهنا تواجه الأفكار التي تسعى لمقاومة الهيمنة الاستعمارية الغربية قوى مقاومة محلية، بسبب وجود هذه الجماعات، والتشويه الفكري المتعمد لدين الأمة.
وهنا، وكما يقول مالك، فإن المعركة الحقيقية ليست مع الهيمنة الغربية، ولكن مع قوى الجهل والغفلة المحلية التي تعزز هذه الهيمنة، وهكذا تدخل النخب في العالم الإسلامي في معارك جانبية، وتتداخل الأفكار والعقائد بين المشوه والمستغل والسليم، وندخل في حالة من الضبابية تؤثر على الفهم العام لحالات الصراع في هذه المجتمعات، وبيد محلية وبهيمنة غربية، ولذلك لا بد من حركة وعي عام تنبع من التراث الإسلامي النقي، تسعى لمخاطبة المتعاطفين دينيًا والمجتمع المحلي بشكل عام في المجتمعات العربية، لتوضيح صورة الصراع بين الزائف والأصيل وأثره على الهيمنة، وكيف أن من الممكن أن يكون الإنسان سلاحًا في يد أعدائه.
يرى مالك بن نبي أن الصراع الفكري لا يُترك عشوائيًا في البلاد المستعمَرة، بل يُوجَّه عن قصد من قبل المستعمر ليُستخدم كأداة لإضعاف الأمة، ولمنع تشكل وعي حضاري أصيل، وهذا يشتت طاقة الأمة ويبعدها عن فكرة النهضة. ونجد أن هناك تضخيمًا لقضايا جانبية: اللباس، والمصطلحات، واللغة، والصراعات المذهبية، وتغرق النخب في ثقافة الثرثرة، فلدينا الكثير من المثقفين بلا مشاريع حقيقية للنهضة، ولكن بالكثير من الكلام، كما يقول مالك، بينما تبقى القضايا الجوهرية، مثل التعليم والعمل والقيم، مهملة، علمًا بأن هذه هي التي تصنع الحضارة، وتصنع إنسان الحضارة، وتشكل الفرق بين أمة متقدمة وأخرى نائمة.
شكرًا مالك بن نبي على هذا الكتاب. فلقد حرصت على فهم منهج الرسول صل الله عليه وسلم الصافي الذي يصنع وحدة ويبني أمة، وابتعدت عن تلك القشور والتفاصيل التي تغرقنا فيما لا طائل منه.
إبراهيم أبو حويله...




