القللعة نيوز -
الخامس والعشرون من أيار وتحول الخارطة السياسية:
يمثل يوم الخامس والعشرين من أيار لعام 1946 المنعطف التاريخي الأبرز في مسيرة الدولة الأردنية الحديثة؛ ففي هذا اليوم أعلن المجلس التشريعي الأردني إنهاء الانتداب البريطاني والاعتراف بالأردن دولة مستقلة استقلالاً تاماً ذات سيادة ملكية نيابية.
لم يكن هذا الحدث مجرد تبدل في المسميات السياسية، بل كان إعلاناً رسمياً لولادة المملكة الأردنية الهاشمية كدولة كاملة السيادة، تمتلك زمام قرارها الوطني المستقل، وتبدأ صياغة مشروعها النهضوي القائم على شرعية الإنجاز والتطوير.
بناء المؤسسات والشرعية الدستورية:
ركائز الدولة الحديثة
انطلقت الدولة الأردنية في أعقاب الاستقلال مباشرة نحو بناء وتنظيم الحياة السياسية والقانونية على أسس متينة.
ولأن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بإطار تشريعي ناظم، شكّل صدور الدستور الأردني محطة مفصلية لترسيخ ركائز دولة القانون والمؤسسات حيث نظّم العلاقة بين السلطات، وصان الحقوق والحريات، ورسّخ مبدأ التعددية والنيابية.
وتوازى هذا البناء الدستوري مع تأسيس وبناء القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، لتشكل درع الوطن الحامي لسيادته ومكتسباته التنموية، وتثبت قدرة الدولة الناشئة على حماية حدودها وقرارها تحت أي ظرف.
الدبلوماسية الأردنية والمواقف الجيوسياسية:
شهدت مسيرة الاستقلال الأردني صياغة نهج دبلوماسي متميز اتسم بالعقلانية، والواقعية السياسية، والثبات على المبادئ بالرغم من وقوع الأردن في قلب إقليم عاصف بالصراعات والتحولات الجيوسياسية. وقد نجح الأردن في انتزاع مكانة دولية وازنة، وبناء شبكة علاقات وتحالفات استراتيجية مكنته من حماية مصالحه العليا وتأكيد سيادته.
وتجلت هذه السيادة في اتخاذ مواقف سياسية وتاريخية شجاعة تجاه قضايا الأمة العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي الأردني بعيداً عن التجاذبات والمحاور الضيقة.
الاستقلال كعملية مستمرة: التحديث ومواجهة تحديات العصر
إن المنظور السياسي المعاصر للاستقلال في الأردن يراه عملية ديناميكية مستمرة وليس حدثاً ساكناً يرتبط بالماضي فقط. يتجسد هذا المفهوم اليوم في مسارات التحديث الشامل التي تشهدها المملكة، عبر تحديث المنظومة السياسية، وتطوير الاقتصاد، وتحديث القطاع العام. وان تمكين الشباب، وتطوير المؤسسات التعليمية والقانونية، والاعتماد على الذات في مواجهة التحديات الاقتصادية، هي الأدوات السياسية والتنموية الحديثة التي تضمن ديمومة الاستقلال وصون الكرامة الوطنية في عالم سريع التغير.
ختاماً، تظل قصة استقلال المملكة الأردنية الهاشمية نموذجاً حياً لإرادة الدولة التي استطاعت بالوعي والعمل المؤسسي الصلب أن تحول التحديات إلى فرص للبناء والتطوير.
إن الحفاظ على هذا الاستقلال ومكتسباته هو مسؤولية وطنية تتجدد بالالتزام بسيادة القانون، وتعزيز التلاحم بين القيادة والشعب، لتستمر مسيرة الأردن بخطى واثقة نحو المستقبل، عزيزاً، آمناً، ومالكاً لبوصلة قراره.




