المال المواجهة لم تعد عسكرية فقط .
القلعة نيوز -
هناك أزمنةٌ حبلى بشتى المصائب والأزمات، ورغم ما تحمل هذه الأزمنة من ويلات، إلا أنها تحمل في طياتها سبل الخلاص منها، ويبدو أنها سُنّة كونية، فلا يرتفع الظلم إلى تلك الدرجة التي يُنهي فيها المظلوم، لكن هذه المصائب والابتلاءات تُقوّي الضعيف، وتجعله يُدرك أسباب قوّته، فيسعى خلفها ويُعظّم من شأنها حتى يصل إلى تلك المرحلة التي يصبح فيها نِدًّا لتلك القوى التي كانت تسيطر على كل شيء، واليوم تقف القوتان الصينية والروسية في موضع تحدٍّ.
رغم أن الصين كان لها دور هامشي تقريبا في كل شيء إذا ما قورنت بالولايات المتحدة، فإنها اليوم تقف نِدًّا عن جدارة، بل تتحدّى وتضع نفس الشروط التعجيزية التي كانت في يومٍ من الأيام تستعملها أمريكا، عندما تريد فرض عقوبات على غرمائها التقليديين؛ عندما كانت امريكا تقول لا يصح أن تأكل واقفًا ولا قاعدًا، ولا وأنت نائم، ومُت وأنت جائع! أو من الممكن أن تسمح رحمة أمريكا بحقنك بسائلٍ مغذٍّ في الوريد، حتى لا تموت، ولكن تبقى جائعًا.
اليوم هناك مواجهة في كل شيء تقريبًا: في المعادن النادرة، أو المزعجة كما يحب البعض أن يسميها، فهي ليست نادرة، ولكن سبل استخلاصها من الأرض له ضريبة بيئية ومالية، وتكلفة وزمن وتدريب. ومن هنا كانت شركات امريكية تشحن ترابها الغني بهذه المعادن إلى الصين ليعود لها معادن جاهزة بنصف التكلفة التي كانت ستدفعها، ولكنها نسيت أو تناست أن الصين اليوم غير الصين بالأمس.
يبدو أن السياسة الصينية في اظهار المسالمة أقنعت الجميع أنهم جماعة مسالمون، لا يحبون التحدي ولا المواجهة، ويميلون إلى تنفيذ رغبات وأوامر العم سام والعجوز أوروبا، وبالتالي سارع الجميع إلى فتح مصانعهم الكبيرة، ونقل التقنية والخبرة، وحتى مفاتيح الكثير من العلوم الهامة والاستراتيجية إلى الصين. بينما كانت الصين تنسخ كل شيء، وتدرّب وتطوّر وتحدّث وتُضيف، فاليوم تقدّمت في الكثير من المجالات على نظرائها، وحتى لو أرادت أمريكا اليوم تصنيع هذه المواد المزعجة، فإنها ستحتاج إلى سنوات لتأمين حاجاتها منها، خاصة أنها تدخل في كل ما يتعلق بالتصنيع التقني والعسكري تقريبًا.
والأمور لا تقف هنا، فاليوم هناك حرب مالية متصاعدة، ووسائل جديدة للتحويلات المالية روسية وصينية تظهر، وتفكير بإيجاد بديل للعملة العالمية، وحرب في الذهب والعملات الرقمية، وسعي حثيث للتخلّي عن الدولار واليورو. وهذه خطورتها لا تقل عن الحروب العسكرية، بل هي أساس الحروب العسكرية، فنظام النقد الدولي والبنك الدولي ونظام "سويفت” يواجه تحدّيًا من دول "البريكس”، وهناك تمرد عالمي يظهر ببطء ولكن بخطى ثابتة للتحرر من هذه الهيمنة.
ما قام به الغرب — أمريكا وأوروبا — مع أموال روسيا سيكون له ضريبة كبيرة، فمصادرة أو التحفّظ أو التصرّف بأرباح هذه الأموال يؤثر على استقرار النظام المالي العالمي، فروسيا والصين تبيعان بعملاتهما اليوم، وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تفكران بجدية في سبل التحرر من هيمنة الدولار.
وطبعًا هذا لم يكن وليد اليوم، بل هو نتيجة رئيسية لسوء إدارة المال في العالم، والسعي للتخلّص من هيمنة فُرضت في زمن القوة والقطب الواحد. هذه الدول كانت تُعِدّ العدّة للتخلّص من هذه الهيمنة، ويبدو أن القادم سيكون نظامًا عالميًا جديدًا في المال والسياسة والهيمنة.
إبراهيم أبو حويله...




