اسعد بني عطا
في مقابلة مع صحيفة ( نيويورك تايمز ) اعتبر ( يوفال نوح هراري المؤرخ والمفكر الإسرائيلي ) أن حماس تمكنت في ( 7 أكتوبر ) من تحقيق نصر عسكري مذهل على الجيش الإسرائيلي ، وشن هجوما حادا على نتنياهو الذي وصفه بأنه " العدو الأسوأ للقومية الإسرائيلية " ، في ظل تصريح كهذا ، وعشرات التصريحات المماثلة سواء من المعارضة المحلية ، أو من قبل المجتمع الدولي يُستثنى منه الولايات المتحدة ، يجد المراقبون أن الجيش الاسرائيلي يقف على الحافة ، وقد رصد المراقبون عدة ملاحظات تعزز نظرتهم ، من أهمها :
*ارتفاع معدلات الانتحار :
ارتفاع معدلات الانتحار ومحاولات الانتحار بشكل ملحوظ منذ ( 2023/10/7 ) بحسب تقارير عبرية ، وسط تحذيرات من تفاقم الآثار النفسية للحرب على المشاركين في القتال بغـزة ولبنان ، حيث بلغ العدد الإجمالي لحالات الانتحار المؤكدة حتى الربع الأول من ( 2026 ) ما لا يقل عن ( 60 ) جندياً في الخدمة الفعلية ، ( 78%) منهم من قوات النخبة ، وسُجّلت ( 279 ) محاولات انتحار فاشلة لجنود تم إنقاذهم ونقلهم للعلاج النفسي أو الطبي خلال أشهر الحرب ، وأقدم ( 19 ) جندياً سابقاً على الأقل على الانتحار بعد إنهاء خدمتهم العسكرية وتسريحهم بسبب الصدمات النفسية ، وهم فئة لا يدرجها الجيش الإسرائيلي ضمن قوائم قتلاه الرسمية بشكل مباشر ، وترتب على هذا الارتفاع الحاد في حالات الانتحار داخل الجيش تداعيات عميقة ، منها :
.تلقي أكثر من ( 22 ) ألف عسكري إسرائيلي حالياً علاجاً رسمياً من إصابات الحرب ، وتصنف وزارة الدفاع ( 60% ) منهم كمرضى نفسيين ، ما يتطلب تخصيص مليارات الشواكل كتعويضات شهرية ورواتب إعاقة طويلة الأمد ، ويثقل كاهل الميزانية.
. تآكل القوى البشرية ، واستنزاف جاهزية القوات ، والنقص الحاد بصفوف النخبة .
. ضغط عائلات الجنود وجنود الاحتياط باتجاه التهرب من استدعاءات الخدمة .
. عجز المستشفيات وأقسام الصحة النفسية العسكرية عن استيعاب حجم الحالات المتضررة .
. تفشي ظاهرة " الأذى الأخلاقي " الناتج عن المشاركة بعمليات قتالية تسببت في مقتل مدنيين أو تدمير واسع النطاق ، ما يسرّع وتيرة الانهيار النفسي والأفكار الانتحارية .
. فقدان الثقة بين القواعد والقيادة العليا في ظل امتناع القادة الميدانيين عن منح الجنود أيام إجازة أو دعم نفسي خوفاً من إخلاء المواقع القتالية ،وصل الأمر إلى تهديد بعض الجنود بالاعتقال إن لم يلتحقوا بوحداتهم .
. زيادة حادة في لجوء الجنود المسرحين إلى جرعات زائدة من المواد المخدرة والكحول للهروب من واقع الصدمات .
*المسرّحون من الخدمة :
ـ يمتنع الجيش الإسرائيلي عن الكشف عن بيانات كاملة تتعلق بأعداد الجنود الذين سُرّحوا من الخدمة لأسباب نفسية خلال الحرب ، وكشفت صحيفة هآرتس بأن الجيش يواصل المماطلة في الرد على طلبات رسمية قُدمت بموجب قانون حرية المعلومات منذ (2025/6) للحصول على إحصائيات دقيقة حول أعداد الجنود المُسرّحين لأسباب نفسية ، وأضافت نقلا عن ضباط خدموا في قسم القوى البشرية ووحدة المتحدث باسم الجيش قولهم ، إن المؤسسة العسكرية تتعمد تأخير وحجب نشر المعلومات التي قد تُلحق ضررا بصورتها ، وأضافوا أن هناك توجها مؤسسيا لتعطيل نشر أي معلومات " غير مُشرّفة " قد تمس بصورة الجيش أمام المجتمع الإسرائيلي ، وتُشير المعطيات المسربة والتقارير الطبية والعسكرية الرسمية إلى ما يلي :
. تسريح ( 7,241 ) عسكرياً تعرضوا لاضطرابات نفسية حادة ، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD ) خلال العام الأول من المواجهات ، هي الحصيلة الأعلى في تاريخ الحروب الإسرائيلية .
. تسريح ( 3 ) آلاف جندي نظامي من الخطوط الأمامية إلى مهام مساندة نتيجة الانهيار النفسي والإجهاد المفرط .
. تسريح الآلاف من جنود الاحتياط تدريجياً لتخفيف الضغط الاقتصادي المتزايد الناتج عن تعطل أعمالهم .
. تسبب التسريح والإصابات بعجز مباشر يُقدر بـ( 12,000 ) جندي في صفوف الخدمة الإلزامية .
* سرقة الاسلحة :
ـ أشارت بيانات صادرة عن تحقيقات الشرطة العسكرية إلى ضبط ( 200 ) حادثة سرقة كبرى من داخل قواعده العسكرية بسبب زيادة الطلب ، وتضاعف أسعار الأسلحة المسروقة في السوق السوداء بشكل قياسي ، ما شكل إغراءً مالياً كبيراً للجنود وضباط صف خاصة في الوحدات اللوجستية لتغطية ديونهم ، أو تحقيق ثراء سريع عبر تهريب العتاد ، واشتملت المسروقات على ما يلي :
. سرقة ما يزيد عن ( 100 ) ألف رصاصة من الثكنات والمستودعات ، منها ( 30 ) ألف رصاصة من قاعدة " سديه تيمان " في الجنوب ، وحوالي ( 70 ) ألف رصاصة من مخازن المنطقة الشمالية والجولان .
بنادق هجومية خفيفة ( M-16 ) ، وصواريخ مضادة للدروع للمرة الأولى منذ بدء الحرب ، قذائف هاون ، أنظمة قتالية برية دفاعية ، أجهزة رؤية ليلية متطورة ، وقنابل يدوية شديدة الانفجار ، وسُجلت حالات لسرقة أجهزة اتصال لاسلكية عسكرية مشفرة ، ووثائق ومصنفات أمنية سرية ارتكبها ضباط في وحدات نخبوية مثل ( وحدة إيغوز ) بعد إخلائهم من قطاع غزة ، ولا توجد أرقام دقيقة حول حجم السرقات لهذه المواد .
وثقت تقارير صحيفة عبرية تصاعد ظاهرة نهب وسرقة " الجيش الاكثر اخلاقية في العالم " بحسب المسؤولين اليمنيين ، أموال وبطاقات ائتمان من فلسطينيين في الضفة وغزة ، إلى جانب نهب واسع النطاق للأثاث والأجهزة من منازل في جنوب لبنان .
*التسريبات :
ـ شهد الجيش سلسلة من الهزات الامنية والسياسية بسبب التسريبات الاستخبارية للوثائق الحساسة التي صنفها جهاز الأمن العام ( الشاباك ) على انها " أزمة ثقة وخطر داكن " تهدد سلامة العمليات الحربية على الجبهات المختلفة ، وأحدثت انقساماً غير مسبوق بين القيادة العسكرية والحكومة السياسية، وأدت إلى إقالات ومحاكمات طالت رتباً رفيعة ومستشارين مقربين من رئيس الوزراء ، وتتوزع أبرز ملفات التسريبات داخل الجيش الإسرائيلي على المحاور التالية :
( قضية بيبي ليكس ) : تم تسريب وثيقة استخبارية سرية للغاية للجيش تزعم وجود "خطة لتهريب الأسرى عبر محور فيلادلفيا"، ونُشرت في صحيفة بيلد الألمانية ، كشفت التحقيقات أن التسريب تم عبر دائرة المحيطين بـ( نتنياهو ) ،بهدف صياغة رأي عام محلي داعم لرفض الانسحاب من المحاور الحدودية ، والتشويش على تظاهرات عائلات الأسرى ، ويواجه ( يوناثان أوريخ / المستشار المقرب من نتنياهو ) و ( الناطق السابق إيلي فيلدشتاين ) لوائح اتهام رسمية ، بنقل معلومات سرية للغاية بهدف الإضرار بأمن الدولة وتدمير الأدلة .
( قضية سجن سدي تيمان ) : تم تسريب مقطع فيديو مصور من كاميرات المراقبة الداخلية في معتقل "سدي تيمان" العسكري يوثق اعتداءً جنسياً وجسدياً وحشياً من قبل ( 5 ) جنود احتياط ضد أسير فلسطيني من غزة بالعام ( 2024 ) ، وقرر ( رئيس هيئة الأركان إيال زمير ) بتاريخ ( 5/26 ) عزل ( رئيسة النيابة العسكرية العامة السابقة / اللواء يفعات تومير يروشالمي ) من الخدمة بشكل نهائي ، إثر تحقيقات أثبتت تورط مكتبها في تسريب الفيديو لـ( القناة 12 ) الإسرائيلية .
( قضية الثغرات الرقمية ) : كشف تقرير استقصائي لصحيفة ( هآرتس ) عن فضيحة رقمية تمثلت في العثور على ( 2,580 ) ملف عسكري سري للغاية مخزنة على خادم تجاري غير محمي تابع لوحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ، تضمنت الملفات المسربة التي أرشف محرك البحث " غوغل " أجزاءً منها ، الأسماء الكاملة لطياري سلاح الجو الإسرائيلي الذين نفذوا ضربات جوية في جنين ، إلى جانب خرائط تفصيلية وتوزيعات داخلية لقواعد عسكرية بالغة الحساسية .
( قضية تسريب بيانات رئيس الأركان ) : تسببت ثغرة أمنية في موقع خارجي لبيع التذاكر في تسريب البيانات الشخصية لآلاف الجنود النظاميين ، وكان من بينها بيانات رئيس الأركان نفسه بمجرد إدخال رقم الهوية .
تكررت التسريبات الصوتية والنصية من داخل جلسات المجلس الوزاري المصغر ( الكابينت )، وأبرزها تسريب وثائق تعرض خطة ( رئيس الأركان إيال زمير ) لتجهيز الجيش لوقف قتال سريع ، وتأكيده للوزراء أن القوات استنزفت بشرياً ومادياً وبحاجة لصفقة تبادل أسرى لتجنب تآكل القدرات العملياتية .
*الدعم الامريكي :
ـ بلغ حجم المساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة التي قدمتها لإسرائيل منذ ( 2023/10/7 ) ما لا يقل عن ( 21.7 ) مليار دولار ، يُمثل الحصيلة الأعلى للدعم العسكري الأمريكي المباشر الممنوح لإسرائيل في فترة زمنية مماثلة تاريخياً ، ناهيك عن عشرات مليارات الدولارات لدعم مشاريع تسلح امريكية - اسرائيلية مشتركة ادرجت ضمن موازنة الدفاع الامريكية المهولة للعام ( 2027 ) ، واشارت مؤخرا صحيفة ( يديعوت أحرونوت ) إلى ان ( رئيس هيئة الطيران المدني في إسرائيل شموئيل زكاي ) حذّر من أن مطار ( بن غوريون ) الدولي تحول فعليا إلى قاعدة عسكرية أمريكية ، ما تسبب في اضطرابات واسعة النطاق في قطاع الطيران المدني وعمل شركات الطيران ، ووجه رسالة إلى ( وزيرة النقل ميري ريغيف والمدير العام للوزارة موشيه بن زاكين ) ، أوضح فيها أن الوجود العسكري الأمريكي داخل المطار الرئيسي يعيق حركة الرحلات المدنية ، ويؤخر عودة الشركات الأجنبية للعمل ما أدى إلى قفزة في أسعار التذاكر قبيل موسم السياحة الصيفي ، وشهدت الأسابيع الأخيرة تداول وسائل إعلام عبرية لصور توثق وجود عشرات من الطائرات الحربية الأمريكية بما فيها طائرات التزويد بالوقود داخل المطار.
على ضوء ما تقدم حول الخسائر الاقتصادية والبشرية للجيش الاسرائيلي ، يثير المراقبون تساؤلات جوهرية حول قدرة الآلة العسكرية الاسرائيلية على التوسع شمالا وجنوبا بغطاء أمريكي ؟ وشن حروب متزامنة على ( 7 ) جبهات ؟




