الديك الذي وثق باليد: تأملات في العقل والوهم...
القلعة نيوز -
بين العقل الاستدلالي والعقل الإستدراكي وبين الحجة والدليل يمكن لأمة أن تقوم ولأخرى ان تزول، فالعقل هو مناط التكليف، وأساس تحرر الفرد والأمة .
في بحثه عن العقل، وقف أبو زيد الإدريسي على ما جاء به الحارث المحاسبي، الذي عرّف العقل تعريفًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، بينما قدّم محمد عابد الجابري تعريفًا إبستمولوجيًا (كيف يفكر الإنسان، وكيف يبني معرفته، وكيف يثبت أن ما يعرفه صحيح، أهو علم ظني أم يقيني؟) ونقديًا مرتبطًا ببنية المعرفة العربية وآليات إنتاجها. والفرق بينهما يعكس فرقًا في المشروع والرؤية والمرحلة التاريخية.
وكأنه هنا يثير ما أثاره برتراند رسل لشرح فلسفة ديفيد هيوم عن الديك، وأن اليد التي تطعم هي التي تذبح في نهاية الأمر. فالفرق بين الإدراك والاستدلال هو تلك الحجة العقلية التي تجعل الأمر في نصابه، وتجعل موقف اليد واضحًا عبر الاستدلال والحجة. ولكن ما فعله الديك الحزين أنه آمن بأن اليد التي تحمل الطعام تحمل الأمان والأمن، فكانت هي التي تذبحه في النهاية. الوهم بين الاستدلال والإدراك؛ إن أول خطوات التحرر ليست امتلاك الإجابات، بل امتلاك القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، ومراجعة المقدمات، وفحص الأدلة، وعدم التسليم لكل ما يفرض نفسه على الإدراك باعتباره استدلالًا نهائيًا للحقيقة.
فالعقل الذي يتوقف عن السؤال يبدأ بالتنازل عن حريته، والأمة التي تتوقف عن النقد تبدأ بالتنازل عن مستقبلها. هل ما ندركه حقيقة هو ما نستدل عليه فعلًا؟ أم أن بين الإدراك والاستدلال مساحة واسعة يتسلل منها الوهم حتى يتحول إلى يقين؟
بين أن تعتاد رؤية حدث يتبع حدثًا، فتظن وجود علاقة ضرورية بينهما، ومع الزمن يتحول الظن إلى يقين، والعادة إلى حقيقة، حتى يصبح التشكيك فيها ضربًا من الجنون في نظر العامة. وهنا تبدأ رحلة الوهم؛ فالإدراك شيء، والاستدلال شيء آخر، والحجة شيء ثالث، والدليل شيء رابع.
كم من فكرة انتشرت لأنها خاطبت الإدراك المباشر للناس، لا لأنها امتلكت الحجة الأقوى، وكم من مشروع أو قائد أو أمة دفعت ثمن الخلط بين ما تراه العيون وما يثبته العقل. فليست كل صورة دليلًا، وليست كل رواية حجة، وليس كل شائع حقيقة.
ومن هنا نفهم كيف تستطيع موجة فكرية أو سياسية أو ثقافية أن تجتاح المجتمعات، ليس بقوة المنطق، بل بقوة التكرار والتأثير وصناعة الإدراك. فحين تتشكل الصورة الذهنية في العقول يصبح من السهل أن تُبنى عليها استدلالات كثيرة، حتى وإن كانت المقدمات نفسها محل شك.
أخطر ما في الأمر أن الإنسان قد يظن نفسه حرًا في تفكيره، بينما تتحكم في استدلالاته مقدمات لم يخترها أصلًا. وهنا تحضر مقولة مفادها أن "اليد التي تطعم هي التي تذبح في النهاية"، ليس بالضرورة بمعناها المادي المباشر، بل بمعنى التبعية الفكرية والثقافية؛ فمن يملك تشكيل الإدراك يملك، إلى حد بعيد، توجيه الاستدلال، ومن يوجه الاستدلال يستطيع التأثير في القرارات والمصائر.
إن الأمم لا تنهزم فقط عندما تفقد قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل تبدأ هزيمتها حين تفقد القدرة على التمييز بين الإدراك والاستدلال، وبين الحجة والدليل، وبين الحقيقة والصورة المصنوعة عنها. وعندما يصبح الوهم أكثر حضورًا من البرهان، تتحول العقول إلى ساحات مفتوحة لكل موجة عابرة، مهما كانت هشاشة أسسها وضعف منطقها.
ونعود إلى الإدريسي والعقل، الذي يرى أن الحارث المحاسبي جاء بأفضل تعريف له. فهو لا ينظر إلى العقل بوصفه مجرد أداة تفكير أو استدلال منطقي فقط، على أهمية ما طرح سابقًا، بل يراه نورًا وهدايةً وضبطًا للنفس يقود الإنسان إلى معرفة الله وإصلاح السلوك.
«العقل غريزة يتهيأ بها الإنسان لإدراك العلوم».
لكنه لا يكتفي بهذا التعريف الفطري، بل يربط العقل بالعمل والورع والمحاسبة؛ ولذلك نجده يجعل من ثمرات العقل ضبط الشهوات، ومعرفة الحق، والخوف من الله، وحسن التدبير، ومحاسبة النفس.
فالعقل عنده ليس ذكاءً مجردًا، ولا قدرة جدلية فقط، بل هو قوة أخلاقية وروحية تظهر آثارها في السلوك. ولهذا قد يرى أن إنسانًا واسع المعرفة قليل العقل إذا فسدت أخلاقه أو غلبته شهوته.
العقل عنده أقرب إلى البصيرة والحكمة والتزكية والوعي بالمآلات. وهذا التصور متأثر بالبيئة الروحية والزهدية في القرون الإسلامية الأولى، حيث كان السؤال المركزي: كيف ينجو الإنسان ويستقيم؟
بينما يوضح الجابري في تعريف العقل زاوية مختلفة تمامًا. فهو يرى "العقل" ليس كملكة فردية فقط، بل يدرس "العقل العربي" كبنية ثقافية وتاريخية تشكلت عبر القرون.
ومن أشهر تعريفاته: «العقل هو جملة المبادئ والقواعد التي تقدمها الثقافة لأفرادها أساسًا لاكتساب المعرفة».
فالعقل عنده ليس مجرد قدرة بيولوجية أو روحية، بل نظام معرفي تشكله اللغة، والثقافة، والتراث، والسلطة، وآليات التفكير السائدة.
ولهذا قسّم أنظمة المعرفة في التراث العربي إلى البيان، والعرفان (فالمنهج العقلي يعتمد على البرهان والمنطق، والمنهج التجريبي يعتمد على الحس والتجربة، بينما العرفان هو المعرفة التي تقوم على ما يملكه الإنسان من ذوق وكشف وحدس للحكم، لا على العقل وحده)، والبرهان.
ورأى أن أزمة العقل العربي تكمن في هيمنة البيان والعرفان وتراجع البرهان العقلي النقدي (وللتوضيح تذكر حالة الديك).
الجابري هنا متأثر بالفلسفة الحديثة والبنيوية (فالأشياء لا تقوم منفردة، بل من خلال البنية أو النظام الذي تنتمي إليه؛ فهي ظاهرة، ولكن خلفها ما يقوم بتنظيمها)، ونقد المعرفة، ويحاول أن يفهم: كيف يفكر العقل العربي؟ وكيف تشكلت آليات الاستدلال لديه؟ ولماذا تعثر مشروع النهضة؟
الفرق الجوهري بينهما أن المحاسبي ينطلق من سؤال: كيف يهذب الإنسان نفسه ويهتدي؟ والجابري ينطلق من سؤال: كيف تُنتج الثقافة العربية المعرفة؟
الأول يركز على الإنسان من الداخل، والثاني يركز على بنية التفكير داخل الحضارة. ومع ذلك يمكن الجمع بينهما؛ لأن أي مشروع حضاري يحتاج إلى عقل نقدي يفكك البنية المعرفية، وإلى عقل أخلاقي يضبط الغاية والاتجاه.
فلا نصبح كديك يمجد اليد التي تطعم، ولا نقع فيما وقع فيه البعض من تمجيد العدو وخدمته من أجل السلامة الذاتية على حساب الأمة، بل نحدد الخطر، ونضع الوسائل والسبل لتجنبه، وتحقيق النهضة الحقيقية للأمة.
إبراهيم أبو حويله




