بقلم الناشطة نانسي السيوري
في كل مرة يحاول الأردن البحث عن نافذة جديدة لإنعاش قطاعه السياحي، يظهر من يحوّل النقاش من سؤال التنمية إلى سؤال الجدل، ومن البحث في النتائج إلى البحث عن العناوين المثيرة. وهذا ما حدث مجددًا مع الحفل الذي أُقيم في البتراء، حيث طغت الضجة الإعلامية على الحقائق، وغابت الأرقام والإنجازات خلف موجة من التصريحات والانفعالات.
من حق أي مواطن أن يرفض الحفل أو ينتقده، ومن حق آخر أن يؤيده أو يشارك فيه. هذه مسألة طبيعية في أي مجتمع حي ومتعدد الآراء. لكن غير الطبيعي أن يتحول الاختلاف في الذوق أو الموقف إلى حملة سياسية منظمة تحاول تصوير الأمر وكأنه أزمة وطنية، بينما الحقيقة أن الفعالية أقيمت ضمن ترتيبات رسمية، وفي موقع بعيد عن التجمعات السكانية، مع مراعاة الحفاظ على المدينة الوردية وعدم المساس بقيمتها الأثرية والتراثية.
المفارقة أن بعض الأصوات التي لم يسمع لها موقف واضح عندما كانت المؤسسات السياحية تعاني من تراجع الحركة الاقتصادية، أو عندما كانت المنشآت السياحية تكافح للحفاظ على موظفيها وأبوابها مفتوحة، وجدت فجأة في هذا الحفل مساحة واسعة للظهور الإعلامي وصناعة الجدل. وكأن المشكلة ليست في الحفل نفسه، بل في الحاجة الدائمة إلى قضية تضمن الحضور أمام الكاميرات ومنصات التواصل الاجتماعي.
أما الإعلام غير المهني، فقد ساهم في تأجيج المشهد عبر اقتطاع المشاهد والتصريحات وانتقاء ما يثير الجدل، بدل أن ينقل الصورة الكاملة للرأي العام. وعندما يصبح التفاعل هدفًا بحد ذاته، تتراجع الحقيقة لصالح الإثارة، ويصبح الخبر مجرد وسيلة لصناعة "الترند".
وفي خضم هذا الجدل، غابت عن كثيرين حقيقة أن رئيس سلطة إقليم البتراء سعادة المهندس عدنان السواعير وفريق عمله يعملون منذ توليه مهام رئاسة الإقليم على فتح أسواق وشراكات جديدة لدعم القطاع السياحي، وأن هناك إنجازات حقيقية تحققت بعيدًا عن الضجيج، من بينها بناء علاقات وشراكات دولية مهمة تسهم في استقطاب الزوار والاستثمارات. لكنها إنجازات لا تحظى باهتمام بعض المعارضين، لأن الإنجاز لا يصنع عاصفة على مواقع التواصل، ولا يمنح فرصة سهلة للظهور أو تسجيل المواقف الشعبوية.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن السياحة اليوم لم تعد تعتمد على نمط واحد من الترويج أو النشاط. العالم كله يتنافس على جذب الزوار من خلال الفعاليات الثقافية والفنية والرياضية والمؤتمرات والمعارض والمهرجانات. ومن حقنا أن نناقش أي فعالية وأن نقيّمها، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر مفهوم المصلحة الوطنية أو أن يصور أي محاولة لتنشيط السياحة وكأنها خروج على المجتمع أو تهديد لهويته.
في النهاية، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا الحفل، فإن السؤال الأهم هو: كيف نحافظ على القطاع السياحي الذي يشكل مصدر رزق لآلاف الأردنيين؟ وكيف ندعم المنشآت والعاملين الذين يواجهون تحديات اقتصادية حقيقية؟ الإجابة لا تكون بإغلاق الأبواب أمام المبادرات والفعاليات، بل بتطويرها وتنويعها وتحسينها. فتنشيط السياحة ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة اقتصادية وطنية، وهذا الحفل ليس سوى أداة من أدوات عديدة يمكن استخدامها لتحقيق هذا الهدف.
أما الذين يبحثون في كل مناسبة اصحاب الايدولوجيات المعلنة عن معركة جديدة تضمن لهم الظهور المجتمعي، فسيبقون أسرى الجدل العابر، بينما تبقى الإنجازات الحقيقية هي ما يصنع الفرق على الأرض، لا ما يصنع الضجيج على الشاشات.




