شريط الأخبار
يوم تشردت أسرة الشطرنج في الأردن شحادة: اقتصاد الأردن يواصل نموه رغم تحديات الإقليم ويسجل نموا بنسبة 2.9% الأردن يدين الاعتداءات الإيرانية على البحرين ويؤكد تضامنه الكامل معها قاليباف: نفضّل الدبلوماسية مع واشنطن ومستعدون للحرب وزير الثقافة : السردية الأردنية هي الرواية الوطنية والتوثيقية للإرث الحضاري والتاريخي للأردن " اليماني يرثي الزميل الصحافي محمد مناور العبادي" كان مدرسة الصحافة الاحترافية والأمانة والرزانة البلبيسي تفتتح برنامج الذكاء الاصطناعي للقيادات الحكومية إسرائيل: واجهنا قصفا غير مسبوق خلال الحرب مع إيران نتنياهو: لبنان يعترف بإسرائيل وإسرائيل تعترف بلبنان الملكية الأردنية: وفاة أحد أفراد الطاقم وإصابة آخرين بحادث حافلة في نيويورك إطلاق مجموعة جديدة من الإمكانات ضمن خدمتي Visa Accept و Visa Direct أندية المحترفين تبدأ تحضيراتها للموسم الكروي 2026-2027 الوزير والحالة النرجسية عبد الله مهند ظاظا.... مبارك صندوق النقد: الأردن يواصل إصلاحات ضريبية ومالية لتعزيز الإيرادات وخفض الدين العام مصدر في الداخلية : منع دخول وسفر 468 شخصا عبر جسر الملك حسين قطر تستضيف مبعوثين أميركيين وإيرانيين لمباحثات غير مباشرة الحكومة تقرر تثبيت أسعار المحروقات / تفاصيل مصادر : مفاوضات غير مباشرة الأربعاء بين وفدي أميركا وإيران إيران تتعهد بالرد على أي انتهاك أميركي لمذكرة التفاهم

حين تفقد المؤسسة الرسمية لغتها

حين تفقد المؤسسة الرسمية لغتها
القلعة نيوز: كتب ماهر البطوش

ليست المشكلة في النفايات التي تُترك خلف الفعاليات العامة، فهذه سلوكيات مرفوضة قانوناً وأخلاقاً وحضارياً، وتمثل اعتداء على البيئة والمشهد العام والمال العام معاً. لكن الإشكالية الأعمق لا تبدأ من الفعل المخالف ذاته، بل من الطريقة التي تختار بها المؤسسة العامة مخاطبة المجتمع عند التعامل معه. فحين يتحول الخطاب الرسمي من لغة القانون إلى لغة الانفعال، ومن منطق الإدارة إلى منطق التوبيخ، تصبح القضية أبعد من مجرد منشور عابر، وتمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن.

فالخطاب الصادر عن مؤسسة رسمية لا يُعامل باعتباره رأي شخصي أو انفعال لحظي، بل يُنظر إليه بوصفه تعبير عن نهج الدولة وثقافتها المؤسسية. ولهذا فإن الكلمات التي تصدر عن الجهات العامة تكتسب قيمة قانونية ومعنوية تتجاوز مضمونها المباشر، لأنها تشكل جزء من الصورة الذهنية للمؤسسة، وتؤثر في مستوى الثقة العامة بها.

وفي الحالة الأخيرة التي أثارت نقاش واسع على خلفية منشور وزارة البيئة، لم يكن الخلاف الحقيقي حول رفض رمي النفايات أو التقليل من خطورة هذا السلوك، فهذه مسألة لا يختلف عليها اثنان، وإنما انصب الجدل على طبيعة اللغة المستخدمة في مخاطبة المجتمع. فالمؤسسة التي تملك أدوات التنظيم والرقابة والضبط الإداري وتستند إلى سلطة القانون، ليست بحاجة إلى لغة اللوم الجماعي أو التوبيخ، لأن القانون بطبيعته أكثر قوة من الانفعال، والمؤسسة التي تملك أدوات القانون ليست بحاجة إلى لغة الانفعال، لأن وظيفتها الأصلية هي المعالجة والتنظيم لا التعبير عن الغضب.

إن الفلسفة الدستورية الحديثة تقوم على أن الإنسان هو محور العملية القانونية والإدارية. وقد كرس الدستور الأردني هذا المفهوم بصورة واضحة؛ إذ نصت المادة (6/1) منه على أن "الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات" وهذه المساواة لا تقتصر على تطبيق النصوص القانونية، بل تمتد إلى كيفية تعامل المؤسسات مع المواطنين وخطابها الموجه إليهم، بحيث يبقى الجميع محل احترام بصرف النظر عن وجود مخالفات فردية من عدمه.

كما أكدت المادة (7/1) من الدستور أن "الحرية الشخصية مصونة " فيما نصت المادة (8/1) على أنه "لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون" ورغم أن هذه النصوص تتعلق أساساً بالضمانات الدستورية للأفراد، إلا أنها تعكس فلسفة دستورية أوسع قوامها أن العلاقة بين السلطة والمواطن يجب أن تبقى محكومة بالقانون لا بالانفعال، وبالإجراءات الموضوعية لا بالأحكام العامة أو الخطابات التوبيخية.

ولعل أخطر ما في بعض الخطابات العامة أنها تنقل المسؤولية من نطاقها الفردي إلى نطاقها الجماعي. ففي الوقت الذي يقوم فيه القانون على شخصية المسؤولية، يصبح المجتمع بأكمله موضع لوم بسبب أفعال قلة من الأشخاص. بينما الأصل أن المخالفة شخصية والعقوبة شخصية والمساءلة شخصية، فلا يُلام الملتزم بسبب فعل المخالف، ولا يُعامل المجتمع كله باعتباره مسؤولاً عن تصرفات بعض أفراده.

ومن زاوية قانونية فإن مواجهة المخالفات البيئية لا تتحقق عبر الخطاب الغاضب أو التوبيخ الجماعي، وإنما من خلال تفعيل الأدوات التي أوجدها المشرّع لهذا الغرض. فقد اعتبر قانون حماية البيئة رقم (6) لسنة 2017 وزارة البيئة الجهة المختصة بحماية البيئة، ومنحها صلاحيات الرقابة والتفتيش البيئي ومتابعة الالتزام بالشروط البيئية واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين. كما حظر القانون إلقاء الفضلات والمخلفات خلافاً للشروط والإجراءات المعتمدة، ورتب على ذلك عقوبات جزائية تشمل الحبس والغرامة ومصادرة الأدوات المستخدمة في المخالفة. وهو ما يؤكد أن المشرع لم يترك حماية البيئة رهناً بردود الأفعال أو الخطاب العاطفي، بل وضع منظومة قانونية متكاملة تقوم على الرقابة والمساءلة والعقوبة الرادعة ضمن إطار سيادة القانون.

وفي المقابل، فإن الإدارة العامة لا تقتصر وظيفتها على العقاب، بل تشمل بناء الوعي العام وتعزيز الشراكة المجتمعية. فالمؤسسات الناجحة لا تنظر إلى المواطن باعتباره خصماً، وإنما شريك في حماية المصلحة العامة. وكلما كان الخطاب أكثر احترام واتزان، كان أكثر قدرة على تحقيق أهدافه التوعوية والتربوية والقانونية.

وتؤكد التجارب الدولية أن المجتمعات لا تُبنى بتعميم اللوم على الجميع، وإنما ببناء ثقافة المسؤولية. ففي الدول التي تستضيف ملايين الزوار والمشاركين في المناسبات العامة، لا تُختزل المعالجة في إدانة المجتمع، بل تقوم على التخطيط المسبق، وتوفير الخدمات اللازمة، وتفعيل الرقابة، وتطبيق العقوبات على المخالفين، بالتوازي مع حملات توعية تحترم عقل المواطن وتخاطب حسه بالانتماء والمسؤولية.

إن هيبة المؤسسة لا تُقاس بحدة المفردات التي تستخدمها، بل بقدرتها على فرض احترام القانون دون أن تفقد اتزانها. فالمؤسسة القوية لا تحتاج إلى رفع نبرة خطابها لإثبات حضورها، لأن قوتها الحقيقية تستمدها من شرعية القانون وعدالة الإجراءات وكفاءة الأداء. أما الخطاب الانفعالي، مهما كانت نواياه حسنة، فإنه قد يضعف الرسالة التي يسعى إلى إيصالها، لأنه يحول النقاش من جوهر القضية إلى أسلوب التعبير عنها.

ولعل ما يستحق التأمل اليوم ليس فقط مشهد النفايات الذي أثار الاستياء، بل أيضاً أهمية المحافظة على نظافة الخطاب العام ذاته. فالنفايات التي تُزال من الشوارع يمكن جمعها خلال ساعات، أما الكلمات التي تصدر عن المؤسسات الرسمية فقد تترك أثراً أطول في الوعي المجتمعي، لأنها تمس صورة المؤسسة وثقة المواطن بها.

وفي المحصلة فإن حماية البيئة واجب وطني لا خلاف عليه، ومحاسبة المسيء ضرورة قانونية لا جدال فيها، لكن احترام القانون لا ينفصل عن احترام الإنسان. فالمؤسسة التي تسعى إلى ترسيخ ثقافة الالتزام بالقانون مطالبة بأن تقدم نموذجاً في رصانة خطابها واتزان رسالتها، لأن القانون يبلغ أعلى درجات قوته حين يتحدث بلغة العدالة والحكمة والاحترام، لا بلغة الغضب والانفعال.

فالدول الحديثة لا تُبنى فقط بقوة النصوص التي تضعها، وإنما أيضاً بطريقة مخاطبتها لمواطنيها. وحين تحافظ المؤسسة على لغتها، فإنها لا تحافظ على صورتها فحسب، بل تحافظ على أحد أهم مقومات الدولة الحديثة: الثقة العامة. وهي الثروة التي يصعب بناؤها، ويصعب أكثر تعويضها إذا تآكلت.