القلعة نيوز:
الدكتورة رشا الركيبات | عالم أبحاث أول في علوم وسياسات نظام الأرض
ان انتقال الأردن نحو " الاستقلالية
الهيدرولوجية" عبر تنفيذ مشروع الناقل الوطني، البالغة كلفته الكلية قرابة 6 مليارات
دولار، هو قرار سيادي وتنموي لا غنى عنه للحفاظ على استقرار الكيان الأردني في وجه
الصدمات المناخية والجيوسياسية.
إلا أن هذا المشروع الهندسي العملاق بحد ذاته
لا يشكل الحل السحري النهائي للأزمة؛ بل إن ضخامة الإنفاق الرأسمالي والمخاطر الهيكلية
العميقة المتأصلة في قطاع المياه تتطلب مقاربة شاملة لإدارة "نظام الأرض"
المحلي من خلال مسارات متوازية ومترابطة:
أولاً، حتمية جسر الفجوة الرقمية IT CAPEX Gap
يُعد تأمين العجز البالغ 60% في ميزانية النفقات
الرأسمالية لتكنولوجيا المياه والبالغ حوالي 92.2 مليون دولار شرطاً تقنياً مسبقاً
لا يمكن المساومة عليه لتنفيذ الاستراتيجيات الوطنية. بدون الإسراع في نشر أنظمة التحكم
والمراقبة SCADA والقياس الذكي والذكاء الاصطناعي، سيغرق الجهد
الوطني بأكمله في فخ "المفارقة التشغيلية"؛ حيث سيؤدي الضخ المستمر للمياه
المحلاة باهظة الثمن إلى زيادة هائلة في الفاقد الفيزيائي لـ الشبكات المتهالكة بدلاً
من وصولها لـ عدادا المستهلكين.
ثانياً، الامتثال الاجتماعي الشامل كأداة
لحماية التمويل:
استخلاصاً للدروس القاسية من قضية شركة كهرباء
"بينونة" وتحقيقات آلية المساءلة التابعة للبنك الدولي،
يجب على وحدات إدارة المشروع في الناقل الوطني تطبيق معايير الأداء البيئي والاجتماعي الدولية بصرامة فائقة.
يتطلب ذلك دمج المجتمعات المحلية في مسار
المشروع الممتد لـ 450 كم، واحترام حقوق الأراضي التقليدية وتوفير سبل الانتصاف الفعالة،
لضمان حماية التمويل الدولي الحيوي الذي يتجاوز 2.2 مليار دولار من أخطار التعليق أو
السحب نتيجة للنزاعات الحقوقية.
ثالثاً، الهندسة المالية المتوازنة والعدالة
الاجتماعية: في حين تندرج خطة الاستدامة المالية وزيادة التعرفة التدريجية 4.6% سنوياً
ضمن المتطلبات الملحة لاحتواء المديونية المائية المتسارعة التي حذر وزير المياه من
وصولها لـ 15 مليار دينار، يجب ربط هذه الإجراءات التقشفية بشكل وثيق بشبكات أمان اجتماعي
مدعمة بقواعد بيانات حديثة.
يقتضي تفادي دفع العبء المالي نحو الفئات
الاجتماعية الأكثر هشاشة في ظل اختلال التكاليف الفجوة بين 1.90 دينار للإنتاج و0.80
دينار للبيع تركيز الجهد الرقابي والأمني الصارم على وقف سرقات المياه الكبرى والاستخدام
التجاري والزراعي غير المصرح به، والذي يشكل فعلياً 70% من أزمة الفاقد الوطني.
يمكن تفسير القفزة في المديونية رياضياً من
خلال محاكاة كلف التشغيل، والتعرفة، ومعدلات الفاقد المائي طوال فترة تشغيل مشروع الناقل
الوطني الممتدة لـ 26 عاماً:
• إجمالي الكلفة السنوية: يبلغ حجم الإنتاج
المستهدف للمشروع 300 مليون متر مكعب سنوياً. وبمتوسط كلفة إنتاج ونقل مقدرة بـ 2 دينار
للمتر المكعب، تبلغ الكلفة السنوية التي ستتحملها سلطة المياه لشراء المياه:
300 * 2 = 600 مليون دينار.
• الإيرادات السنوية الفعالة: تبلغ نسبة الفاقد
المائي وطنياً نحو 50%، مما يعني أن نصف الكمية الموردة فقط (150 مليون متر مكعب) ستصل
لعدادات المستهلكين وتخضع للفوترة. وبمتوسط سعر بيع مدعوم للمواطن يبلغ 0.80 دينار
للمتر المكعب، تبلغ الإيرادات السنوية المستردة:
150 *0.80 = 120 مليون دينار.
• العجز التشغيلي السنوي: سيولد تشغيل الناقل
الوطني عجزاً سنوياً مباشراً ناتجاً عن الفجوة بين الكلفة والإيرادات يبلغ:
600 - 120 = 480 مليون دينار.
• العجز التراكمي للمشروع: بضرب العجز السنوي
المباشر في فترة امتياز المشروع البالغة 26 عاماً، ينتج عجز تراكمي إضافي يبلغ:
12.48 مليار دينار.
عند إضافة هذا العجز المالي المتولد تشغيلياً
(12.48 مليار دينار) إلى مديونية سلطة المياه القائمة حالياً والبالغة 5 مليارات دينار،
فإن الرقم الإجمالي المتوقع يقفز ليتجاوز
17.48 مليار دينار أردني.
هذه النمذجة هي ما يبرر علمياً التوقعات الرسمية
وتساؤلات مجلس النواب حول حتمية تجاوز المديونية لحاجز الـ 15 مليار دينار في حال استمرار
نسب الهدر الشبكي وفجوة التعرفة الحالية.
يتطلب صمود الأردن مائياً واقتصادياً في العقود
القادمة التخلي النهائي عن الحلول الأحادية المجزأة. إن التوفيق المدروس بين بنية تحتية
هندسية عملاقة تضمن الاستقلال، وحوكمة رقمية صارمة تمنع الهدر، وسياسات تسعير عادلة
تضمن الاستدامة، وامتثال بيئي مجتمعي سليم يوفر الشرعية، هو المخطط الهيكلي الوحيد
لتأمين مستقبل مستدام وحيوي في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم شحاً للموارد وتقلباً
في المناخ.




