الدكتور نسيم أبو خضير
ليست المناصب هي التي تصنع الرجال ، بل الرجال هم الذين يضفون على المناصب هيبتها وقيمتها ، وحين يترجل أصحاب التجارب الكبيرة عن مواقع المسؤولية بإرادتهم ، فإنهم يقدمون درساً وطنياً رفيعاً في معنى الخدمة العامة ، وفي أن المسؤولية تكليف وليست تشريفاً ، وعطاء لا يرتبط بكرسي أو منصب .
لقد جاءت الإستقالة التي تقدم بها دولة سمير الرفاعي من عضوية مجلس الأعيان لتؤكد مرة أخرى أن الرجل الذي نشأ في مدرسة الدولة الأردنية ، وترعرع في كنف أسرة وطنية عريقة ، يدرك أن خدمة الوطن لا تقاس بطول البقاء في المواقع ، وإنما بحجم الإنجاز والإخلاص والوفاء للأمانة .
لقد حمل دولة سمير الرفاعي في رسالته إلى الملك عبدالله الثاني بن الحسين معاني نبيلة تجسد أسمى صور الإنتماء والولاء ، فكان حديثه حديث رجل دولة عرف قيمة المسؤولية ، وأدرك أن تداول الأدوار وإفساح المجال للأجيال الجديدة هو أحد أسرار إستدامة المؤسسات وقوتها وتجددها .
وعلى إمتداد عقود طويلة ، كان الرفاعي حاضراً في مواقع المسؤولية المختلفة ، حيث شرفه جلالة الملك بثقته السامية وزيراً للبلاط الملكي الهاشمي العامر ، ورئيساً للوزراء ، وعضواً في مجلس الأعيان ، فضلاً عن رئاسته للجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية ، وهي من أهم المحطات الوطنية التي أسست لمرحلة جديدة من العمل السياسي والحزبي والبرلماني في الأردن .
وفي كل تلك المواقع ، عرف الأردنيون دولة سمير الرفاعي رجلاً مؤمناً بالدولة ومؤسساتها ، ومدافعاً عن ثوابتها الوطنية ، ومخلصاً للقيادة الهاشمية ، حريصاً على تعزيز الإستقرار وترسيخ نهج الإعتدال والحوار . وقد تميز بأسلوب هادئ ومتزن في إدارة الملفات العامة ، مستنداً إلى خبرة سياسية وإدارية متراكمة ، وإلى إرث وطني عريق ترك بصماته في مسيرة الدولة الأردنية الحديثة.
ولا يمكن الحديث عن دولة سمير الرفاعي دون إستذكار إرث والده الراحل دولة زيد الرفاعي ، أحد رجالات الأردن الكبار ، حيث حمل الإبن الراية محافظاً على نهج الأسرة في خدمة الوطن والعرش الهاشمي بإخلاص وتجرد . فكانت مسيرته إمتداداً لمسيرة وطنية طويلة عنوانها الإنتماء الصادق والإلتزام بالمصلحة الوطنية العليا .
إن من يقرأ نص الإستقالة يدرك أنه أمام رجل دولة يترفع عن التشبث بالمناصب ، ويؤمن بأن تداول المسؤولية سنة من سنن التطور المؤسسي . وهي رسالة راقية تعكس ثقافة سياسية متقدمة ، وتؤكد أن العطاء الوطني لا يتوقف عند حدود منصب أو موقع ، بل يستمر ما دام الإنسان قادراً على تقديم الخبرة والرأي والمشورة .
لقد كان قرار جلالة الملك بالموافقة على الإستقالة محل تقدير وإحترام ، كما أن ما تضمنته الرسالة من عبارات الولاء والإخلاص لجلالة الملك ولولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني يعكس عمق العلاقة التي تربط رجالات الدولة المخلصين بقيادتهم الهاشمية الحكيمة .
سيبقى دولة سمير الرفاعي واحداً من رجالات الأردن الذين تركوا بصماتهم الواضحة في مسيرة الدولة ، وسيظل إسمه مرتبطاً بمحطات مهمة من تأريخ العمل السياسي والإداري الأردني . وإن كانت المواقع تتغير ، فإن مكانة الرجال المخلصين تبقى راسخة في وجدان الوطن ، تقديراً لعطائهم ، وإحتراماً لإخلاصهم ، وإعتزازاً بما قدموه من جهود في خدمة الأردن وقيادته الهاشمية المظفرة .
حمى الله الأردن ، وحفظ الملك عبدالله الثاني بن الحسين وولي عهده الأمين ، وأدام على وطننا نعمة الأمن والإستقرار ، وأجزل الشكر والتقدير لكل من خدم هذا الوطن بإخلاص وتجرد ، وفي مقدمتهم دولة سمير الرفاعي ، الذي قدم نموذجاً راقياً لرجل الدولة المؤمن بأن خدمة الوطن شرف لا ينتهي بإنتهاء المنصب ، بل تبقى رسالة عمر ومسيرة عطاء متواصلة .




