المهندس زيد نفاع / الأمين العام لحزب عزم
" ما كُلُّ ما يَتَمَنَّى المَرءُ يُدْرِكُهُ تجري الرياح ( بك يا هرمز ) بما لا تَشْتَهِي السُّفْنُ "
ربما لو امتد العمر بأكبر المعمرين في هذا العالم، لما استطاع أن يكتب سردية الحروب المعاصرة كما يكتبها الواقع نفسه. فما يجري اليوم تجاوز في تعقيده كل ما دوّنه المؤرخون، وكل ما حلله الباحثون، وكل ما توقعه خبراء الاستراتيجيا.
في الماضي، كان التاريخ العسكري يُروى من خلال قادة الجيوش، وتُقاس الحروب بعدد الجبهات والجيوش والخسائر. وقد شكّلت الحربان العالميتان الأولى والثانية أعظم محطات الصراع في القرن العشرين؛ فالحرب الثانية جاءت امتداداً لتداعيات الأولى، لكنها كانت أكثر شراسة واتساعاً، نتيجة تطور التحالفات العسكرية، وسباق التسلح، وظهور القوة الجوية كسلاح حاسم، وصولاً إلى استخدام القنبلة الذرية التي غيّرت مفهوم الحرب إلى الأبد.
وخلال تلك المرحلة، كان المطبخ العسكري والسياسي والاستخباري البريطاني يحدد كميات الكاري الحار Spicy curry ( الهندي والباكستاني ) ويعمل بلا توقف، على مدار الساعة، يدير التحالفات، ويرسم الخرائط، ويقدم ما يشبه "الخدمة الخاصة" لكبار الدول والشخصيات المؤثرة، وفق ما تقتضيه المصالح العليا آنذاك. وكانت للحروب أهداف واضحة، وللسياسة أدوات مختلفة، وللمصالح قواعد أكثر استقراراً مما نشهده اليوم.
أما في العصر الحديث، فقد تغيرت قواعد اللعبة بالكامل واصبح المطبخ الأمريكي يحدد كميات الفلفل الحار التشيلتيبين Chiltepín ( الهنود الحمر ) .
فمع الثورة الرقمية، وتطور تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والحروب السيبرانية، لم تعد المعارك تُحسم بالمدافع وحدها، بل بالخوارزميات، والمعلومات، وإدارة الرأي العام، والاقتصاد، والعقوبات، والاختراقات الإلكترونية.
ولعل أفضل استعارة لهذا التحول أن "المطبخ الدولي" لم يعد يعمل بالطهاة أنفسهم. فمنذ عقود تغير الطهاة، وتبدلت أدوات الطبخ، وأصبحت الوصفات أكثر تعقيداً. ولم يعد إعداد الوجبات السياسية والعسكرية يتم بالطريقة التقليدية، بل وفق وصفات جديدة، تبدو أكثر دقة، وأكثر قدرة على إعادة تشكيل موازين القوى.
وإذا كان المطبخ القديم يعتمد على القوة الصلبة المباشرة، فإن المطبخ الجديد يجمع بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والإعلام، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي في وصفة واحدة. إنها وجبات سياسية دسمة، تُطهى على نار هادئة، لكنها قادرة على تغيير ملامح العالم بأسره.
وهنا تتجسد فلسفة "اضرب كف... وعدّل الطربوش".
تُوجَّه ضربة عسكرية دقيقة وقاسية، ثم تعقبها مباشرة دعوات إلى التهدئة، أو وقف إطلاق النار، أو العودة إلى طاولة المفاوضات. فيظن كثيرون أن الأزمة انتهت، بينما تكون المرحلة التالية قد بدأت بالفعل.
يضرب "الكف" حين تقتضي المصلحة إظهار القوة، ثم يُعدَّل "الطربوش" حين يحين وقت الدبلوماسية. وبين الضربة والابتسامة، وبين القصف والمفاوضات، تُدار السياسة الدولية وفق إيقاع محسوب بدقة.
أما المتابع العادي، فيقف حائراً؛ تارة يعتقد أن الحرب انتهت، وتارة يتصور أن العالم يقف على حافة النهاية، بينما الطاهي الحقيقي لا يزال يحرك القدر فوق النار، ويضيف مكونات جديدة إلى الطبخة دون أن يكشف وصفته لأحد.
إن أخطر ما في الحروب الحديثة أنها لم تعد تبدأ بإعلان واضح، ولا تنتهي ببيان نهائي. فما يظهر على الشاشات ليس سوى الواجهة، أما القرار الحقيقي فيُصنع في الغرف المغلقة، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية، وتُدار الحرب كملف مفتوح على أكثر من جبهة في وقت واحد. فالمعركة اليوم ليست على الأرض وحدها، بل على الوعي، وعلى الأسواق، وعلى التحالفات، وعلى صورة المنتصر قبل أن يُحسم النصر نفسه.
وقد لا نعرف كل ما يدخل في هذه الوصفة من مصالح وضغوط وأدوات، لكن المؤكد أن الشعوب هي التي تدفع الثمن في النهاية، وأن من يملك القدرة على إشعال النار أو إطفائها هو من يملك مفاتيح القرار الدولي. لذلك، فإن فهم الحروب الحديثة لا يكون بعدّد الصواريخ وحدها، بل بقراءة من يديرها، ولماذا تُدار، ومتى يُطلب من العالم أن يصفق، ومتى يُطلب منه أن ينسى.
وفي السياسة الدولية، كما في المطابخ الكبرى، لا تُقاس القوة فقط بما يُقذف في الميدان، بل بما يُطبخ في الخفاء، ولا بما يُقال في المؤتمرات، بل بما يُحسم في الغرف المغلقة. فهناك تُكتب نهايات الحروب، وهناك تُرسم خرائط ما بعدها، وهناك يُقرر من سيدفع الثمن، ومن سيُترك ليحترق على نار القرار.
وهكذا، فإن "اضرب كف... وعدّل الطربوش" ليست مجرد عبارة مجازية ساخرة، بل عنوان لمرحلة سياسية تُدار فيها الحروب كأداة للهيمنة، وتُستخدم فيها الضربة العسكرية لفرض الوقائع، ثم يُعاد تلميعها بخطاب دبلوماسي لتسويقها للعالم. إنها سياسة القوة حين تريد أن تبدو حكمة، والعدوان حين يتخفى في ثوب التوازن، والقرار حين يُفرض على الشعوب باسم الاستقرار. ومن لا يفهم من يقرر الحرب، لن يفهم أبداً من يدفع ثمنها.



