د. خضر عيد السرحان
إن الانتقال من "التبعية الأمنية" إلى "الاستقلالية الاستراتيجية" يمثل تحدياً بنيوياً يتجاوز مجرد شراء الأسلحة؛ فهو يتطلب إعادة تشكيل شاملة للمفهوم الأمني القومي (National Security Paradigm). بالاستناد إلى أدبيات "الأمن التعاوني" (Cooperative Security) التي تطرحها مراكز أبحاث مثل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومؤسسة "راند" (RAND Corporation)، يمكن تحديد خارطة طريق للانتقال نحو تكتل دفاعي إقليمي مستقل وفق الأطر التالية:
أولاً: الانتقال من "التسلح الكمي" إلى "التكامل التقني"
تشير دراسات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن العائق الأكبر أمام تكتل دفاعي إقليمي ليس غياب التمويل، بل غياب "التشغيل البيني" (Interoperability).
•توحيد الشبكات: يتطلب التكتل المستقل الربط الرقمي لأنظمة الرادار، ومنظومات الإنذار المبكر، وشبكات القيادة والسيطرة عبر منصة مركزية مشتركة. هذا يعني بناء "بنية تحتية دفاعية" تسمح بتبادل البيانات في الوقت الفعلي (Real-time data sharing) بين دول الإقليم، مما يرفع كفاءة التصدي للصواريخ والمسيرات دون الحاجة للتدخل الخارجي.
•التوطين الدفاعي: الانتقال نحو "التصنيع العسكري المشترك". بدلاً من الاعتماد على استيراد المنظومات الجاهزة، يمكن للدول العربية الاستثمار في "تكتل تصنيعي" يركز على تكنولوجيا المسيرات (Drones) وأنظمة الحرب الإلكترونية، وهي تقنيات أثبتت فعاليتها كبدائل منخفضة التكلفة وعالية التأثير في الحروب غير المتماثلة.
ثانياً: اعتماد "الردع بالإنكار" (Deterrence by Denial)
بدلاً من محاولة تحقيق "الردع بالتهديد" (الذي قد يستدعي مواجهات شاملة)، تدعو الأبحاث الأمنية الحديثة إلى تبني استراتيجية "الردع بالإنكار".
•المفهوم: تعني هذه الاستراتيجية جعل تكلفة أي عدوان إيراني أو إقليمي باهظة جداً لدرجة تجعل المهاجم يدرك مسبقاً أن أهدافه لن تتحقق.
•التطبيق: يتطلب ذلك بناء شبكات دفاع جوي كثيفة ومتداخلة تجعل "خرق الأجواء" عملية مستحيلة تقنياً. تشير دراسات "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" إلى أن التحالفات الإقليمية التي تدمج القدرات الدفاعية الفردية للدول في "شبكة واحدة" هي الأكثر قدرة على فرض هذا النوع من الردع.
ثالثاً: الدبلوماسية الدفاعية كمرتكز للسيادة
لا يمكن بناء تكتل دفاعي بمعزل عن "التوافق السياسي". إن إنشاء "هيكل أمن إقليمي" يتطلب:
•المؤسسية: الانتقال من التحالفات المؤقتة إلى اتفاقيات أمنية ملزمة ومؤسسية (مشابهة لنماذج منظمة التعاون والأمن في أوروبا - OSCE) التي تضع قواعد اشتباك واضحة وتمنع التصعيد العشوائي.
•تعددية الأقطاب: تعظيم القدرة على المناورة الاستراتيجية. الاستقلال الحقيقي يتطلب توازناً في علاقات التسلح والشراكات الدفاعية، بحيث لا تظل الدولة أسيرة لمزاج الإدارة الأمريكية، بل تمتلك خيارات تكنولوجية وعسكرية من مصادر متعددة (أوروبية، آسيوية، ومحلية).
رابعاً: العقبات والتحديات (نظرة واقعية)
يُجمع المحللون في مركز "كارنيغي" على أن هناك تحديات هيكلية لا يمكن تجاهلها:
1.تباين التهديدات: تختلف إدراك التهديد بين دول الخليج، ودول المشرق، ودول المغرب العربي، مما يصعب صياغة "عقيدة عسكرية موحدة".
2.أزمة الثقة البينية: يتطلب التكتل العسكري "انكشافاً استخباراتياً" متبادلاً، وهو ما يتطلب مستوى عالياً من الثقة السياسية التي لا تزال في طور النشوء.
الرؤية الاستراتيجية البديلة:
إن التكتل الدفاعي المستقل ليس "خياراً" للمستقبل، بل هو ضرورة وجودية ناتجة عن "الانسحاب التدريجي" للقوى العظمى. التحول يتطلب:
•الاستثمار في العقول: بناء مراكز دراسات دفاعية إقليمية مستقلة تضع استراتيجيات وطنية بعيداً عن مراكز التفكير الغربية.
•التحول نحو الاستدامة: التركيز على تكنولوجيا "المتاريس الرقمية" والحرب الإلكترونية كخيار بديل للقبة الحديدية التقليدية.
خلاصة القول: إن مفتاح تجاوز الحسابات الأمريكية لا يكمن في "مواجهة أمريكا"، بل في "الاستغناء عن خدماتها" من خلال بناء قدرة دفاعية ذاتية (Integrated Self-Reliance) تجعل المنطقة قادرة على حماية مصالحها ككتلة جيوسياسية متماسكة، مما يجبر القوى الدولية (بما فيها أمريكا) على التعامل مع المنطقة كشريك فاعل يفرض واقعاً جديداً، لا كملعب لموازين القوى.



