القلعة نيوز: عادل ابو الهيجاء
حين تُهمَّش المهارات وتُؤجَّل أحلام الشباب
في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لاستقطاب المواهب والكفاءات، وتعيد صياغة معايير التوظيف وفق المهارات والخبرات والقدرات العملية، ما زالت فئة واسعة من الشباب تقف على هامش المشهد، لا لأنها تفتقر إلى الطموح أو الكفاءة، بل لأنها لا تحمل شهادة جامعية تقليدية.
لقد أصبح هذا الواقع يفرض سؤالاً مشروعاً لا بد أن يصل إلى مكاتب صناع القرار قبل أن يصل إلى صفحات الجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي: هل أصبحت الشهادة الجامعية المعيار الوحيد للحكم على قدرات الإنسان، أم أن الوقت قد حان للاعتراف بأن المهارة والخبرة والتطوير الذاتي أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة النجاح في القرن الحادي والعشرين؟
منذ سنوات طويلة، آمن الشباب بأن تطوير الذات هو الطريق الأقصر نحو المستقبل. التحقوا بالدورات التدريبية، وحصلوا على الشهادات المهنية، وأتقنوا اللغات، وتعلموا المهارات الرقمية والتقنية، وخاضوا تجارب عملية متنوعة، واستثمروا وقتهم وجهدهم في بناء أنفسهم. لم ينتظروا الظروف المثالية، ولم يكتفوا بالشكوى، بل اختاروا أن يصنعوا لأنفسهم مساراً مختلفاً نحو النجاح.
لكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً منهم ما زالوا يصطدمون بالعقبة ذاتها في كل مرة: عدم امتلاك شهادة جامعية.
وللتوضيح، فإن الحديث هنا ليس انتقاصاً من قيمة التعليم الجامعي أو من مكانة حملة الشهادات الأكاديمية، فالتعليم العالي سيبقى ركناً أساسياً من أركان التقدم والتنمية، وحملة الشهادات الجامعية يمثلون ثروة وطنية لا غنى عنها. إلا أن القضية تكمن في حصر الكفاءة ضمن إطار واحد، وتجاهل آلاف الشباب الذين امتلكوا المعرفة والمهارة والخبرة عبر مسارات مختلفة لا تقل أهمية في كثير من المجالات.
فكم من شاب يمتلك خبرة عملية تمتد لسنوات طويلة، ويملك من المهارات ما يؤهله لإدارة مشروع أو فريق عمل أو تخصص مهني متقدم، ومع ذلك يتم استبعاده من المنافسة قبل أن يُمنح فرصة واحدة لإثبات نفسه؟
وكم من شابة أو شاب استثمر سنوات عمره في التعلم والتدريب والتطوير، ثم وجد أن كل ما أنجزه لا يكفي لعبور أول بوابة نحو سوق العمل؟
لقد تغير العالم.
لم تعد الاقتصادات الحديثة تعتمد فقط على الشهادات، بل أصبحت تعتمد على الكفاءات والمهارات القابلة للتطبيق والابتكار والقدرة على مواكبة التطور المتسارع. واليوم، تفتح دول عديدة برامج متخصصة للاعتراف بالخبرات المهنية والشهادات التقنية والتدريبية، وتمنح أصحاب المهارات فرصاً حقيقية للمنافسة والإبداع والمشاركة في بناء الاقتصاد.
أما نحن، فما زلنا نخسر جزءاً من طاقاتنا البشرية بسبب نظرة تقليدية لم تعد تتوافق مع متطلبات العصر.
والأمر لا يقف عند حدود التوظيف فقط، بل يمتد إلى آثار اجتماعية واقتصادية عميقة. فالبطالة لم تعد مجرد رقم يُضاف إلى التقارير السنوية، بل أصبحت واقعاً يعيشه آلاف الشباب يومياً. شباب يؤجلون أحلامهم، ويؤجلون مشاريعهم، ويؤجلون الاستقرار وتأسيس الأسر، ليس لأنهم لا يريدون العمل، بل لأن الفرصة ما زالت بعيدة المنال.
وفي الوقت ذاته، تبرز الحاجة إلى مراجعة أكثر شمولاً لسياسات التشغيل وفرص العمل بما يضمن تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص للجميع. فالمرأة شريك أساسي في التنمية الوطنية، وقد أثبتت حضورها وكفاءتها في مختلف القطاعات، ولا يمكن تجاهل دورها المحوري في بناء المجتمع. لكن العدالة الحقيقية تقتضي أن تكون الفرص متاحة لجميع الشباب والشابات وفق معايير الكفاءة والجدارة والاحتياج الفعلي للوظائف، بعيداً عن أي اختلال قد ينعكس على فرص أي طرف في المنافسة العادلة.
ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها أيضاً، تزايد هجرة الكفاءات والطاقات الشابة بحثاً عن فرص أفضل خارج الوطن. فالكثير من الشباب لا يغادرون لأنهم فقدوا انتماءهم، بل لأنهم فقدوا الأمل في الحصول على فرصة عادلة تمكنهم من بناء مستقبلهم داخل وطنهم. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية؛ لأن الوطن لا يخسر فرداً واحداً فقط، بل يخسر سنوات من الخبرة والطموح والاستثمار البشري.
الأكثر إيلاماً أن هناك شباباً تجاوزوا الثامنة والعشرين والثلاثين من العمر، يمتلكون سجلات مهنية مميزة، وخبرات عملية حقيقية، وشهادات تدريبية متخصصة، ومهارات يحتاجها سوق العمل بشدة، ومع ذلك ما زالوا ينتظرون فرصة واحدة فقط. فرصة لا تقوم على الواسطة، ولا على التصنيف المسبق، ولا على الأحكام الجاهزة، بل على تقييم حقيقي لما يستطيعون تقديمه.
لقد وصلنا إلى عام 2026، والعالم يعيش ثورة غير مسبوقة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والعمل الحر وريادة الأعمال. وأصبحت المهارات والتطوير الذاتي جزءاً لا يتجزأ من معايير النجاح الحديثة. لذلك لم يعد من المنطقي أن نبقى أسرى لمعادلات قديمة بينما تتغير متطلبات العالم من حولنا كل يوم.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد زيادة أعداد الوظائف، بل إعادة النظر في فلسفة التوظيف نفسها. المطلوب أن نعترف بالخبرة كما نعترف بالشهادة، وأن نقدر المهارة كما نقدر المؤهل الأكاديمي، وأن نمنح الشباب فرصة عادلة لإثبات أنفسهم قبل إصدار الأحكام عليهم.
فالشباب لا يطلبون المستحيل.
لا يطلبون امتيازات خاصة.
لا يطلبون أن تُمنح لهم الفرص دون استحقاق.
كل ما يطلبونه هو أن يُنظر إليهم بعين الإنصاف، وأن تُمنح لهم فرصة عادلة للمنافسة وإثبات الجدارة.
إن الحديث عن الشباب لا يجب أن يبقى مجرد شعارات تُرفع في المناسبات أو خطابات تُتلى على المنصات. فالشباب ليسوا مشروعاً مؤجلاً، ولا أرقاماً في سجلات البطالة، بل هم رأس المال الحقيقي لأي دولة تطمح إلى التنمية والاستقرار والازدهار.
لقد أثبت شبابنا في كل الميادين أنهم قادرون على الإنجاز والإبداع متى ما توفرت لهم الفرصة، وأثبتوا أن الطموح لا تحده الظروف، وأن الإرادة قادرة على صناعة المستحيل. لكن الإرادة وحدها لا تكفي، فالمواهب تحتاج إلى من يكتشفها، والمهارات تحتاج إلى من يؤمن بها، والأحلام تحتاج إلى من يفتح لها الأبواب.
إننا لا نطالب بالمستحيل، ولا نبحث عن حلول مؤقتة، بل ندعو إلى رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للكفاءة والمهارة والخبرة، وتمنح الشباب فرصاً عادلة لبناء مستقبلهم داخل وطنهم لا خارجه.
فحين يُمنح الشباب الفرصة، فإنهم لا يغيرون حياتهم فقط، بل يغيرون واقع أوطانهم بأكملها.
ويبقى السؤال الذي يستحق الإجابة اليوم قبل الغد:
كم طاقة ما زالت معطلة؟
وكم موهبة ما زالت تنتظر من يكتشفها؟
وكم حلماً ما زال مؤجلاً؟
وهل سننتظر سنوات أخرى لنكتشف قيمة هذه الطاقات، أم أن الوقت قد حان للاستثمار الحقيقي فيها؟
لأن الأوطان لا تُبنى بالشهادات وحدها، ولا بالمهارات وحدها، بل بالإيمان الحقيقي بالإنسان، ومنحه الفرصة التي يستحقها ليكون شريكاً في صناعة المستقبل.
عادل محمد أبو الهيجاء




