القلعة نيوز -
مع إشراقة رأس السنة الهجرية يجدر بنا ألا نكتفي باجترار التاريخ كقصص تروى بل إن العبرة تكمن في إسقاط هذه المعاني على واقعنا المعاصر إن الهجرة بمفهومها الواسع ممتدة لا تنقطع وهي هجرة القلوب من المعاصي إلى الطاعات ومن التكاسل إلى العمل ومن الفرقة إلى الوحدة.
حيث تشرق علينا مع بداية عام هجري جديد ذكرى متجددة لا تقف عند حدود الزمن أو مرور الأيام بل تتجاوزها لتكون منارة هداية ومحطة تأمل عميقة في مسيرة الأمة الإسلامية إن الهجرة النبوية المباركة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة بل كانت تحولا استراتيجيا وفيصلا تاريخيا بين عهدين خطت فيه العقيدة الإسلامية مسارها نحو التمكين وبناء الدولة ونجد القرآن الكريم يضع أيدينا على الجوهر الحقيقي للنصر والتمكين يقول الله تعالى في سورة التوبة:- (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) صدق الله العلي العظيم
لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه أروع الأمثلة في التوكل الصادق المقرون بالأخذ بالأسباب الدقيقة فلم يكن الخروج عشوائيا بل كان خطة محكمة ومع ذلك ظل الاعتماد الأول والأخير على مسبب الأسباب فجاءت السكينة والجنود الخفية لتثبت الحق وتزهق الباطل.
ولقد هاجر الصحابة الكرام تاركين وراءهم الديار والأموال يبتغون فضلا من الله ورضوانا فاستحقوا الثناء الخالد في كتاب الله حيث قال الله تعالى:- (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقين)
وفي المقابل فتحت المدينة المنورة ذراعيها لاستقبال هذا النور فرسم الأنصار رتبة عليا في التكافل والإيثار حفرها القرآن في وجدان الزمان بقبسات من نور حيث قال الله تعالى (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) هذا التلاحم البشري الفريد أسس لمجتمع قوي لا تزلزله الأزمات وبنى دولة قوامها الحق والعدل والمواساة.
إننا مدعوون اليوم ونحن نستقبل هذا العام الجديد أن نجعل من الهجرة منطلقا لتجديد العهد مع الله ومحاسبة النفس على ما مضى وصياغة رؤية مستقبلية ترتقي بفكرنا وسلوكنا مستلهمين من كتاب الله وسنة نبيه معالم الطريق نحو العزة والرفعة.
إن رأس السنة الهجرية ليس مجرد رقم يضاف إلى عمر الزمن بل هو وقفة مع الذات وتأمل في سنن الله في الكون وتذكير دائم بأن العاقبة للمتقين وأن كلمة الله هي العليا في كل زمان ومكان.
.........
بقلم معن عمر الذنيبات




