د.فوزان العبادي
بعد طلب دولة رئيس الوزراء من وزير العمل تقديم استقالته بسبب تضارب المصالح واستجابة الأخير، فإن هذه الخطوة تمثل رسالة مهمة بأن المنصب العام لا يحتمل حتى شبهة تعارض المصالح. لكنها، في الوقت ذاته، يجب ألا تكون نهاية القصة.
ف الاستقالة إجراء سياسي، أما المساءلة فهي إجراء قانوني. وبين الاثنين فرق كبير. ما يحتاجه الرأي العام اليوم ليس الاكتفاء بخروج الوزير من منصبه، وإنما معرفة الحقيقة كاملة. كيف تقدمت شركات تعود لنجل الوزير لعطاءات حكومية؟ وهل كانت جميع الإجراءات متوافقة مع القانون؟ وهل استفاد أي طرف من وجود الوزير في موقع المسؤولية؟ ومن اتخذ القرارات؟ وهل كان هناك أي تأثير، مباشر أو غير مباشر، على سير العطاءات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تهدف إلى إدانة أحد مسبقاً، بل إلى حماية مبدأ لا غنى عنه: أن كل من يتولى المسؤولية العامة يخضع للمساءلة دون استثناء. ولذلك فإن المطلوب اليوم هو فتح تحقيق إداري وقانوني شفاف، وإعلان نتائجه للرأي العام، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مخالفته، أياً كان موقعه أو صفته. فإذا ثبت عدم وجود أي مخالفة، فذلك يحفظ سمعة الجميع. وإذا ثبت وجود تجاوز، فإن تطبيق القانون هو الضمانة الوحيدة لاستعادة ثقة المواطنين.
إن قوة الدولة لا تقاس بعدد الاستقالات، بل بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة المخطئ، وإنصاف البريء، وترسيخ مبدأ أن الوظيفة العامة تكليف لا امتياز، وأن المال العام أمانة لا يجوز أن تحوم حولها أي شبهة فالأردنيون لا يريدون محاكمات إعلامية، ولا أحكاماً مسبقة، لكنهم أيضاً لا يقبلون أن تتحول الاستقالة إلى بديل عن التحقيق، أو أن تغلق الملفات قبل أن تُكشف حقائقها.
فهيبة الدولة لا تكتمل بالقرار السياسي وحده، وإنما تترسخ عندما يرى المواطن أن القانون يسري على الجميع، وأن المساءلة لا تتوقف عند حدود المنصب، بل تبدأ منه.




