باسم عارف الشورة
إن تطوير وثيقة الجلوة العشائرية ليس دعوة إلى إلغاء عرفٍ أردني راسخ، ولا تقليصًا من مكانة العشائر التي شكّلت عبر التاريخ ركيزةً أساسية في حفظ الأمن الاجتماعي وصون السلم الأهلي، بل هو دعوة صريحة إلى تحديث آليات التطبيق بما ينسجم مع تطور الدولة الأردنية، ويعزز مقاصد هذا العرف النبيل، وفي مقدمتها حقن الدماء، ومنع الثأر، وتهيئة البيئة المناسبة للصلح والإصلاح.
لقد أثبتت التجربة أن التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة عام 2021 كانت خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، إذ أسهمت في تقليص دائرة المتضررين والحد من الآثار الاجتماعية الواسعة. غير أن الواقع العملي كشف أن بعض الجوانب الإجرائية ما تزال بحاجة إلى مراجعة دقيقة، لا بهدف المساس بجوهر الوثيقة، وإنما لضمان عدالة أكبر، ووضوح أشمل، وتطبيق موحد لا يختلف من منطقة إلى أخرى أو من حالة إلى أخرى.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع دليل إجرائي وطني موحد يحدد بوضوح متى تُطبق الجلوة، ومن هي الجهة المخولة باتخاذ القرار، وما هي المعايير التي تضبط نطاقها ومدتها وآثارها. فغياب المرجعية الواضحة يفتح الباب أمام الاجتهادات المتباينة، ويؤدي أحيانًا إلى تفاوت في التطبيق لا ينسجم مع مبدأ المساواة بين المواطنين.
كما أن تحديد مدة زمنية للجلوة، قابلة للمراجعة وفق تطورات القضية، يعد ضرورة ملحة حتى تبقى الجلوة إجراءً استثنائيًا مؤقتًا، لا عبئًا مفتوحًا يطول أثره على الأسر والأبناء والتعليم والعمل والاستقرار النفسي. فالإجراء الذي وُجد لحماية المجتمع لا يجوز أن يتحول إلى مصدر معاناة دائمة.
وفي السياق ذاته، ينبغي تعزيز دور لجان الإصلاح والصلح منذ اللحظات الأولى بعد وقوع الحادث، لأن التدخل المبكر يخفف التوتر، ويمنع اتساع دائرة الاحتقان، ويزيد فرص الوصول إلى تسوية عادلة تُغني عن الإطالة في الجلوة أو توسعها. فكلما كان الصلح أسرع، كانت الفتنة أضعف، وكان المجتمع أقرب إلى التعافي.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني، فالأسر المشمولة بالجلوة قد تواجه أعباء معيشية وتعليمية ووظيفية كبيرة، ما يستدعي توفير مظلة دعم واضحة تحفظ كرامتها وتخفف عنها آثار القرار، انسجامًا مع قيم التكافل التي عُرفت بها العشائر الأردنية.
إن مراجعة وثيقة الجلوة بصورة دورية، والاستماع إلى الشيوخ والوجهاء والقضاة العشائريين والقانونيين والأكاديميين، كفيلان بإنتاج صيغة أكثر توازنًا وعدالة وفاعلية. فالأردن أثبت دائمًا أن العرف والقانون ليسا في حالة تنازع، بل في حالة تكامل، هدفها حماية المجتمع وصيانة الحقوق.
إن المحافظة على الموروث لا تعني الجمود، كما أن التطوير لا يعني التفريط. والجلوة العشائرية ستبقى أداةً من أدوات السلم المجتمعي متى قامت على العدالة، والوضوح، والحكمة، واحترام كرامة الإنسان، لتظل شاهدًا على تماسك المجتمع الأردني ووحدته في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة.




