خالد عبدالعزيز الدرابسة
تعيش الرواية الإعلامية الحكومية حالة ارتباك واضحة كلما تم ضخ كم هائل من الأخبار أو الإشاعات ، يجعل الصفحات الشخصية تتصدر المشهد الإعلامي وتغذيه ، فيما تتخلف الرواية الحكومية عن التماهي مع الأحداث المتسارعة على الساحة الوطنية ، وهو أمر يجعل إعلامها يهرول خلف ما يتم تناقله نافيا مرّةً أو مكذبًا ، أو مقللاً من شأن ما يتناقله الناس ، بشكل يجعله في بعض الأحيان محلّ تندر وسخرية ، يزيد من التهام المتلقي لمختلف المعلومات من مصادر غير حكومية أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لنشطاء أو مؤثرين يملكون المعلومة ويقدمونها بأسلوب قوي أحيانا ، بغض النظر على صحتها من عدم صحتها ، لكنها تُطلع المتلقي عما تخفيه الرواية الرسمية في كثير من الأحيان عنهم ، ومما يزيد الأمر سوءًا أنه بات اللجوء إلى قرار حظر النشر مصاحبًا لأي قضية تستحوذ على اهتمام المواطنين وهو أسلوب يستفز الجمهور للبحث عن مصادر غير رسمية لإشباع حاجتهم من المعلومات ، وكأن الجهات الرسمية تدفع باتجاه تلقي المعلومات من جهات خارجية بدلا من أن تكون هي منبعها وأساسها : تعرضها بشفافية تمتصُّ التأثير الخارجي وتضعفه وتحدُّ من تأثيره ، خاصة أن المعلومات باتت تخضع لنظرية العرض والطلب، فإذا كان الطلب الشعبي على المعلومات أعلى من المعلومات المعروضة من قبل الإعلام الرسمي ، فستأتي الإشاعة لتحلَّ محلّها ، وتغطي النقص في المعلومات.
إن أسلوب النفي الذي تنتهجه الحكومة كلّ مرة ، ومحاولة إثباتها عدم صحة بعض الروايات التي تنتجها بعض الصفحات ، واتهامها بأن لها أجندات خارجية تستهدف الوطن لا يكفي بحدِّ ذاته ، فهي غالبا تتسم برد فعل خجول ، تجعل الإشاعة تعيش مدة أطول ، وتبقى مزروعة في أذهان المتلقي كحقيقة ثابتة ، فنفي الإشاعة بات أسلوبا هشًّا يجعل المعلومات المكذوبة هي المحرك للمؤثرين في تسميم الجو العام ، خاصّة باستغلالهم الضغوط النفسية والاقتصادية التي يعاني منها المواطن، والتي أثّرت بشكل كبير على طرق تفكيره.
إنّ تفعيل دور وزارة الاتصال الحكومي لا يقتصر في الأزمات عل ردّات الفعل ، بل عليها أن تقوم بعمل برامج إعلامية تستهدف أهم شريحة في المجتمع وهي شريحة الشباب والتي تمثل أكبر نسبة من العاطلين عن العمل ، والذين يعانون من ساعات فراغ طويلة في حياتهم ، مايجعلهم أكثر الناس إحباطًا ، وأكثرهم مكوثًا ، وأكثرهم شغفا بالمنصات المختلفة تصفّحًا وبحثًا ، ما يعرضهم للاستهداف الممنهج ، في ظلّ حالة الضعف الإعلامي الرسمي وتقهقره ، وهو أمر يفرض على الوزير وفريقه بالتخلي عن سياسة الجلوس بالمكاتب ، ومراقبة كيف تسير الأمور عن بعد ، ووضع خطط دفاعية تكون في الغالب غير مجدية ، بل يجب أن يتمتع بشخصية مؤثّرة وحضور لافت ، يستخدم فيه لغةً رصينة ، وخطابًا جماهيريًا ، بعيدًا عن القوالب التقليدية والإجراءات البيروقراطية ، يكون فيه هو المبادر بإماطة اللثام عن المعلومات بالسرعة الممكنة، ويتحرك تحركًا استباقيًا ، يقطع الطريق فيه على أيّ جهة تريد استغلال الظروف لتمرير أجندتها الخاصة ، بدلا من اقتصار دوره ورفاقه على تزيين صورة الحكومة والتغني بإنجازاتها التي هي من صميم أعمالها.
ولإعادة الثقة بالجهاز الإعلامي الرسمي على المسؤولين التفكير بطرق جديدة تدعمه ماديًا ومهنيًا من أجل القيام بدوره في إتاحة المعلومة للمواطن الأردني ، وكسب ثقته بما يقدمه ، يواكب فيه الفضاء الرقميّ ، ويُحوّل معه الإعلام الموجّه إلى إعلام وطنيّ يمثّل مختلف شرائح المجتمع وأطيافه ، مع أهمية عدم التعويل على التهديد بتطبيق قانون العقوبات الذي يطال المخالفين للنشر للحدّ من الشائعات ، فهذا وحده لا يمكن أن يحقق نتائج مرضية في هذا الشأن ، بل من شأنه خلق الشعور بالغضب والكبت لدى الناس ، فتصير المشكلة - لا قدّر




