الدكتور نسيم أبو خضير
ليست الأحزاب السياسية غايةً بحد ذاتها ، وإنما هي وسيلة وطنية راقية لتنظيم العمل العام ، وتأطير المشاركة السياسية ، وإعداد القيادات ، وصناعة البرامج التي تعالج هموم الوطن والمواطن . ولذلك ، فإن نجاح أي حزب لا يُقاس بعدد المنتسبين إليه ، وإنما بقدرته على تحويل أعضائه إلى شركاء حقيقيين في صناعة القرار ، ومشاركين في رسم السياسات ، وحاضرين في الميدان وبين الناس .
لقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة مرحلةً جديدة من الإصلاح السياسي ، جاءت بتوجيهات ملكية سامية ، بهدف ترسيخ نهج المشاركة ، وتعزيز الحياة الحزبية ، والوصول إلى برلمان قائم على البرامج لا على الأشخاص . وهذا المشروع الوطني الكبير يحمّل الأحزاب مسؤولية تأريخية في أن تكون على مستوى الطموح ، وأن تقدم نموذجًا يُحتذى في العمل المؤسسي ، والشفافية ، والديمقراطية الداخلية .
غير أن أي تجربة حزبية تفقد بريقها عندما تغيب الإجتماعات الدورية ، ويتراجع الحوار بين القيادة والأعضاء ، وتغيب البرامج الواضحة ، وتنعدم المشاركة الحقيقية في صناعة القرار . فالحزب الذي لا يستمع إلى أعضائه ، ولا يفتح أمامهم أبواب المبادرة والعمل ، يتحول مع مرور الوقت إلى إطار تنظيمي جامد ، مهما كانت أهدافه وشعاراته .
كما أن عمليات الإندماج بين الأحزاب لا ينبغي أن تكون مجرد جمعٍ للأسماء أو توحيدٍ للهياكل التنظيمية ، بل يجب أن تُبنى على رؤية سياسية واضحة ، وبرنامج عملي ، وثقافة تنظيمية مشتركة ، وخطة تضمن إندماج الأعضاء أنفسهم قبل إندماج المؤسسات . فالنجاح الحقيقي لا يتحقق بإعلان الإندماج ، وإنما بما يترتب عليه من حيوية ، وتواصل ، وعمل ، وإنجاز .
ويقع على عاتق الأمين العام للحزب دور محوري في بناء هذه الروح المؤسسية ، فهو ليس مديرًا للعمل الحزبي فحسب ، بل هو القائد الذي يجمع الطاقات ، ويوحد الجهود ، ويؤمن بأن كل عضو في الحزب شريك في المسؤولية وصناعة النجاح . ومن واجبه أن يحرص على إشراك القيادات والأعضاء في صناعة القرار ، وأن يطلعهم بصورة مستمرة على ما يُنجز ، وما يُخطط له ، وما يواجه الحزب من تحديات ، لأن الشفافية تولد الثقة ، والثقة تصنع الإنتماء ، والإنتماء يقود إلى الإنجاز .
كما أن النجاح الحقيقي لأي أمين عام لا يقاس بعدد الأنشطة التي تُنسب إليه شخصيًا ، وإنما بقدرته على صناعة فريق عمل متماسك يشعر كل فرد فيه بأنه شريك في الإنجاز . فالأحزاب لا تُبنى حول الأشخاص ، مهما بلغت مكانتهم ، وإنما تُبنى بالمؤسسات ، وبالعقول ، وبالعمل الجماعي . وعندما يُنسب كل إنجاز إلى شخص واحد ، ويتراجع حضور القيادات والأعضاء ، فإن ذلك يُضعف روح المبادرة ، ويحد من الإبداع ، ويخلق فجوة بين القيادة والقاعدة الحزبية . أما عندما يكون الإنجاز إنجازًا جماعيًا ، يشعر الجميع أنهم ساهموا في تحقيقه ، فإن الحزب يزداد قوةً وتماسكًا ، ويترسخ فيه الإنتماء الحقيقي .
إن العضو الحزبي ليس رقمًا في سجل العضوية ، بل هو رأس المال الحقيقي للحزب . وإحترام هذا العضو يبدأ بإشراكه ، والإستماع إلى رأيه ، وإطلاعه على الخطط والبرامج ، وتمكينه من أداء دوره الوطني . أما عندما يشعر بأن وجوده لا يقدم ولا يؤخر ، فإن الحماسة تخبو ، وتضعف الثقة ، وتتراجع المشاركة ، وهو ما لا يخدم الحزب ، ولا المشروع الإصلاحي الوطني .
إن نجاح مشروع التحديث السياسي في الأردن مسؤولية مشتركة بين الدولة ، والأحزاب ، والمجتمع . فالدولة وفرت البيئة التشريعية والدستورية ، ويبقى على الأحزاب أن تثبت أنها قادرة على إستثمار هذه الفرصة التاريخية ، وأن تقدم نموذجًا يحتذى في الإدارة الرشيدة ، والعمل المؤسسي ، وإحترام الرأي الآخر ، وتفعيل الطاقات والكفاءات .
ولا شك أن المراجعة والنقد الذاتي يمثلان علامة صحة ، لا علامة ضعف . فالأحزاب التي تعترف بأوجه القصور ، وتسعى إلى معالجتها ، هي الأحزاب القادرة على الإستمرار والنمو ، أما الأحزاب التي تكتفي بالشعارات ، وتتجاهل نبض أعضائها ، فإنها تخسر تدريجيًا أهم عناصر قوتها .
إن الوطن يستحق أحزابًا حقيقية ، تُمارس الديمقراطية داخل مؤسساتها قبل أن تطالب بها خارجها ، وتُجسد قيم المشاركة والعمل الجماعي ، وتُعلي المصلحة الوطنية فوق كل إعتبار . فالأردن ، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ، يمضي بثبات في مسيرة التحديث والإصلاح ، وهذه المسيرة لن تحقق أهدافها إلا بأحزاب قوية ، فاعلة ، ومؤسسية ، تؤمن بأن الإنجاز لا يُصنع بفردٍ واحد ، وإنما بإرادة جماعية ، وبقيادات تعمل بروح الفريق الواحد ، وتمنح كل عضو حقه في المشاركة ، والرأي ، وتحمل المسؤولية ، ليصبح نجاح الحزب إنجازًا لجميع منتسبيه ، لا إنجازًا يُنسب إلى شخص بعينه .



