د. طـارق سـامي خـوري
تيار الاستثمار في الانقسام… تيار من الدهماء، يخوض معارك دونكيشوتية ضد أوهام نسجها بخياله، ثم يحاول إقناع الناس بأنه يحمي الوطن، بينما لا يفعل سوى الاستخفاف بعقولهم واستنزاف وعيهم.
ما زلتم تتحدثون عن "تيار التوطين والتجنيس” وكأنه قرار يصنعه أفراد، أو منشور على وسائل التواصل، أو مقطع فيديو، أو حملة إعلامية، بينما أي إنسان يملك الحد الأدنى من الوعي يدرك أن أي مشروع بهذا الحجم - إن وُجد أصلًا - لا يمكن أن يكون إلا قرارًا بين دول، تتخذه الحكومات وفق مصالحها وسياساتها، وليس أفرادًا يتبادلون الاتهامات على مواقع التواصل.
ثم تتجاهلون الحقيقة التي يعرفها الجميع: الفلسطيني الذي غادر فلسطين عام 1948 أو عام 1967 لم يغادرها رغبةً، وإنما أُجبر على ذلك بفعل الحروب والاحتلال. أما الفلسطيني الصامد على أرض فلسطين اليوم، فهو متمسك بها، ولا يغادرها إلا للقاء وجه ربه.
فكفاكم استخفافًا بعقول الناس.
إن تحويل كل مواطن من أصل فلسطيني إلى متهم بمشروع توطين وتجنيس، ليس دفاعًا عن الأردن، بل إساءة للأردن، وإساءة لفلسطين، وخدمة مجانية لكل من يريد تمزيق وحدة المجتمع الأردني.
إذا كان في صدوركم كل هذا الكره والحقد، فعبّروا عنه بأساليب قد تنطلي على الناس، أما أن تستمروا في بيع الأوهام وتكرار الأسطوانة نفسها، فقد أصبح ذلك مكشوفًا لكل صاحب عقل.
أنتم لا تواجهون مشروعًا حقيقيًا، بل تواجهون خيالًا صنعتموه لأنفسكم، ثم تخوضون معارك دونكيشوتية ضده، وتعلنون انتصاركم عليه، بينما الحقيقة أنكم لا تنتصرون إلا على الوهم الذي ابتدعتموه.
كفاكم استثمارًا في الانقسام، وكفاكم صناعةً للأعداء الوهميين، فالوطن لا يحميه خطاب الكراهية، ولا تبنيه الشكوك، ولا تحفظه المسميات التي تفرّق ولا تجمع.
وسأبقى أوجّه سهام نقدي لكل من يستثمر في الانقسام، لأن استثماري كان وسيبقى في وحدة الشعب، ووحدة المجتمع، ووحدة الوطن. فأنا أجمع ولا أفرّق، وأبني ولا أهدم، وأؤمن أن وحدة الحياة ووحدة المصير هما أساس قوة الأردن واستقراره.
الوطن يكبر بالمحبة ويفنى بالبغضاء.



